الجواب
الشيخ: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين هذه المسألة التي ذكرها السائل ابتلي بها كثيرٌ من المسلمين مع الأسف الشديد وهي في الواقع مرة ومحزنة لكنها مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم لتركبن سنن من كان قبلكم قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذه المسألة هي من الحيل التي كان اليهود يرتكبون مثلها أو أقل أو أكثر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نفعل مثل فعلهم من هذه الحيل من المعلوم أن الرجل لو أعطى شخصاً عشرة آلاف ريال نقداً سلمها له ورقاً وقال هذه العشرة اثني عشرة ألفاً إلى سنة من المعلوم للجميع أن هذا ربا وأنه محرم وأن المرابي عليه من الوعيد والعقوبة ما هو معلومٌ لكل مسلمٍ فالله تعالى يقول في الذين يرابون (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحربٍ من الله ورسوله) والنبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه وقال هم سواء والحديث في مسلم وفيه أحاديث كثيرة تدل على غلظ هذا العمل عمل الربا وأنه من كبائر الذنوب العظيمة فإذا كان معلوماً أن ما صورناه من قبل من الربا وهو صريح فإن التحيل على هذا بأي نوعٍ من أنواع الحيل يعتبر وقوعٌ فيه إذا الحيلة على المحرم لا تقلبه مباحاً بل تزيده قبحاً إلى قبحه لأن الحيلة على المحرم يجتمع فيها أمران محظوران أحدهما الوقوع في المحرم والثاني المخادعة لله ورسوله ونحن نضرب مثلاً بما هو أكبر من ذلك وهو الكفر فالكافر الصريح الذي يعلن في كفره هو واقعٌ في الكفر وقد فعل هذا الذنب العظيم لكن المنافق الذي يظهر الإسلام ويظهر بمظهر الرجل الصالح وهو يبطن الكفر هذا أشد ذنباً وأعظم ولهذا جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار تحت الكفار الذين يصرحون بالكفر فالمتحيل على الربا أشد من المعطي بالربا صراحةً أو أشد من الآخذ للربا صراحةً لأنه جمع بين المحظورين محظور الربا ومحظور التحيل والخداع لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئٍ ما نوى) وهذا الحديث يسد على المتحيلين جميع أنواع الحيل يقال لهم أنتم قصدتم هذا ولكم ما قصدتم إنما لكل امرئٍ ما نوى والعملية التي أشار إليها السائل هي موجودة بكثرة مع الأسف ومنتشرة وهي من ظهور الربا الذي ينذر بالهلاك والخطر على هذه الأمة ومن العجب أنه لو وجد حانات خمر وزنا لكان كل الناس ينكرونها لكن توجد هذه الحانات الربوية ولكن الناس ساكتون لا أحد ينكر ولا أحد يشمئز منها وذلك لأنها كثرت وكما قيل إذا كثر الإمساس قل الإحساس هذه الأكياس من الهيل كما قال الأخ تبقى في دكان التاجر مدة سنين يمكن أو شهوراً أو أسابيع أو ما شاء الله من هذا يأتي إليه التاجر ويشتريها منه حسب ما اتفق مع الفقير على الربح لأنه يتفق أولاً مع الفقير على أني بدينك العشر إحدى عشر أو خمسة عشر أو أكثر أو أقل ثم يذهب هذا التاجر وهذا المستدين إلى صاحب الدكان ويشتري التاجر منه السلعة بثمن يتفقان عليه ثم مع ذلك في الحال في نفس المجلس يبيعها على المستدين حسب ما اتفقا عليه من الربح أو من المرابحة ثم بعد ذلك يبيعها المستدين على صاحب الدكان بأنزل مما باعها صاحب الدكان به على التاجر ثم يأخذ الدراهم ويخرج بها في جيبه هذه هي القضية الألعوبة والمكر والخديعة وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المسألة و سماها الصفقة الربوية الثلاثية هذا معنى ما سماها به لأنه غاب عني لفظه الآن ومع ذلك قال هذه حرامٌ بلا ريب وربا وكان يرحمه الله يحكي في مسألة التورق قولين لأهل العلم ثم يختار هو التحريم فدل ذلك على أن هذه المسألة ليست هي مسألة التورق التي يتمحش بعض الناس بها فيقول إن المشهور من مذهب الحنابلة جواز مسألة التورق نحن نقول هكذا إن المشهور من مذهب الحنابلة جواز مسألة التورق لكن ليس مسألة التورق بهذه الحيلة الظاهرة البينة مسألة التورق كما قالها الفقهاء رحمهم الله إذا احتاج الإنسان إلى نقد واشترى ما يساوي مائة بمائة وعشرين إلى أجل وطبعاً اشتراه على الوجه السليم الصحيح وليس فيه العشرة إحدى عشر والعشرة خمسة عشر ولا شئ أنا احتجت مثلاً إلى دراهم فأتيت إلى صاحب الدكان قلت بع علي هذا الشيء إلى زمن هو الآن يسوى مائة قلت له بمائة وعشرين وأخذته وذهبت بعته هذه هي مسألة التورق أما هذه المسألة فليست من التورق في شيء ولا تنطبق على التورق إطلاقاً ذلك لأنهما أولاً يتفقون على المرابحة فيقوم التاجر باع على المستدين ما لا يملك بربح وهذا وإن لم يكن معيناً لكنه في ذمته ثانياً أنها يحصل فيها بيع الشيء قبل حوزته وقبضه ثالثاً يحصل فيها بيع الشيء قبل نقله عن محله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم وكون بعض الناس يقول أنا قبضتها لأنني عددتها فمجرد العدد ليس قبضاً بلا شك ولا أحد يقول إنه قبض لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك وفي حوزتك وأي شئٍ يكون على العدد أن تقبضه أي شيء يكون من القبض ولكن العلماء يقولون ما يحتاج إلى عدد فلا بد من عدده لقبضه بمعنى إنه لا يتم قبضه إلا بعدده وهذا أمرٌ صحيح وأما مثلاً نقول مجرد إنسان يمسحه بيده أو يعده بإشارته يكون هذا قبضاً فهذا غير مسلم إطلاقاً ثم إن هذه الصفقة في الحقيقة غير مرادة لأن التاجر لا يقلب هذا الهيل ولا يسأل عن نوعه ولا يسأل عن عيبه وسلامته وربما يكون هذا قد فسد من طول الزمن وربما تكون الأرض قد أكلته وهم لا يعلمون بل إني أعتقد أن صاحب الدكان لو أتى بأكياسٍ من الرمل وصفها وقال للناس هذه سكر لهؤلاء الذين يتاجرون بهذه الطريقة لأخذوها على أنها سكر بناءً على عادتهم أنهم لا يقلبون ولا ينظرون ولا يفعلون شيئاً ولقد حكى لي بعض الناس وهو ثقة أنه جاء ليستدين من شخص فذهبوا إلى صاحب دكان عنده بضاعة ولكن هذه البضاعة لا تساوي القدر الذي يريده المستدين فقال نبيع ندبر لها شأناً فباعها صاحب الدكان على التاجر أولاً ثم باعها التاجر على الفقير ثانياً ثم باعها الفقير على صاحب الدكان ثالثاً ثم باعها صاحب الدكان مرةٌ ثانية على التاجر ثم التاجر على المستدين حتى أكملت ما يريده هذا المستدين.
|