الجواب
الشيخ: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين مذهب السلف الصالح الذي عليه الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من بعدهم هو أن الله تعالى يوصف بما وصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكليف ولا تمثيل وهذا هو المذهب الحق الذي دل عليه السمع والعقل أي دل عليه الشرع والعقل وذلك لأن صفات الله سبحانه وتعالى مجهولة لنا لا نعلم منها إلا ما أخبرنا الله به عن نفسه وما أخبرنا به عن نفسه فهو حق لأنه خبر صادق ممن هو أعلم بنفسه من غيره ولأننا لا ندرك ما يجب لله تعالى وما يجوز وما يستحيل عليه على وجه التفصيل إلا عن طريق الكتاب والسنة وعلى هذا فما وصفه الله به نفسه وجب علينا قبوله والإيمان به لكننا لا نحيط به على وجه الحقيقة بمعنى أننا لا ندرك كيفيته فمثلا استواء الله على عرشه أثبته الله تعالى لنفسه في سبعة مواضع من كتابه العزيز فنحن نعلم عن الاستواء على الشيء وأنه العلو عليه كما قال الله تبارك وتعالى (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه) ولكننا لا نعلم كيفية استواء الله تعالى على عرشه يعني لا نعلم على أي صفةٍ هو ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عليه عن ذلك فقال له رجل يا عبد الله الرحمن على العرش استوى كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى جعل يتصبب عرقاً من شدة ما سمع من السؤال وهيبته وتعظيمه لله عز وجل ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة يعنى أن الاستواء غير مجهول في اللغة العربية بل هو معلوم فإن اللغة العربية تدل على أن استوى على الشيء بمعنى على عليه والقرآن نزل باللغة العربية كما قال الله تبارك وتعالى (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المؤمنين بلسان عربي مبين) وقال تعالى (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) أي صيرناه باللسان العربي من أجل أن تعقلوه وتفهموه فقوله رحمه الله الاستواء غير جهول أي معلوم المعنى واضح المعنى والكيف غير معقول أي أن عقولنا أقصر وأحقر من أن تدرك كيفية استواء الله على عرشه وهكذا بقية الصفات لا يمكن لعقولنا القاصرة أن تدرك كيفيتها والأيمان به واجب أي الإيمان بالاستواء على ما تقتضيه اللغة العربية واجب لأن الله أخبر به عن نفسه فوجب علينا قبوله والإيمان به والسؤال عنه أي عن الاستواء أي عن كيفيته بدعة أي أنه من ديدن أهل البدع وهو أيضاً بدعة لكون الصحابة لم يسألوا عنه رسول صلى الله عليه وعلى آله سلم فالقاعدة العريضة للسلف الصالح وأئمة المسلمين هي الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل وأعلم أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين قسم كمال مطلق بكل حال فهل يوصف الله به وصفا مطلقا على كل حال كالسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام وما أشبهها وقسم آخر لا يكون كمالا على كل حال لكنه كمال في موضعه كالآيات التي ذكرها السائل فإن الله لا يوصف بما مطلقا أي على سبيل الإطلاق وإنما يوصف بها حيث تكون كمالا كما سيتبين إن شاء الله من الكلام على كل أية وحدها فقوله تعالى الآية الأولى (الله يستهزئ بهم) أي المنافقين لأن المنافقين (إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) أي مستهزئون بالمؤمنين حيث نقول لهم أننا آمنا وهم لم يؤمنوا فقال الله تعالى (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) فقابل استهزاءهم بالمؤمنين باستهزائه تبارك وتعالى بهم وذلك حيث مكن لهم وأمهلهم وأستدرجهم من حيث لا يعلمون فهذا استهزاء في مقابلة استهزاء واستهزاء الله تعالى أعظم وأكبر من استهزائهم بالمؤمنين والآية الثانية (يخادعون الله وهو خادعهم) وهذه أيضا في المنافقين (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وفي آية أخرى (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) والمخادعة وصف محمود إذا وقع في محله ولهذا قيل الحرب خدعة فهؤلاء المنافقين يخادعون الله والذين أمنوا ويغرونهم ويرونهم أنهم مؤمنين وهم غير مؤمنين خداعا ومكرا وكيدا فيقول الله عز وجل إن الله خادعهم وذلك بإمهاله لهم واستدراجه لهم وحقن دمائهم ومعاملتهم معاملة المسلمين لكنه عز وجل سيريهم العذاب الأليم حين ينتقلون من الدنيا إلى الآخرة وهذا لا شك خداع بهم حيث يعاملهم سبحانه وتعالى معاملة الرضى وهم على العكس من ذلك الآية الثالثة (إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا) إنهم يعني المكذبين للرسول صلى الله عليه وعلى أله وسلم يكيدون للنبي صلى الله عليه كيدا عظيما ولكن الله تعالى يكيد بهم كيدا أعظم وتأمل قوله (يكيدون) حيث أتت بصيغة الجمع (وأكيد) حيث أتت بصيغة الإفراد فإن كيد الله تعالى فإن كيد الله تعالى أعظم من كيد جميع كيود هم مهما بلغت والكيد والمكر متقاربان ومعناهما الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر يعني أن يوقع الإنسان بخصمه من حيث لا يشعر به وقد كاد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء المشركين المكذبين به كيداً عظيماً كما هو معلوم من قراءة سيرة النبي صلى الله عليه وعلى اله وأصحابه وسلم وفي الآية الأخيرة (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) هذه أيضا كقوله إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا يعني أن الكفار يمكرون بأولياء الله عز وجل ولكن الله تعالى يمكر بهم فيقابلهم بما هو أعظم وأشد من مكرهم ولهذا قال (والله خير الماكرين) أي أعظمهم وأشدهم والمكر كما قلت آنفا هو الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر فهو دليل على والقوة والعلم والقدرة فيكون في مقابلة الفاعل صفتا مدح وكمال لكن لا يوصف الله تعالى بأنه ماكر على سبيل الإطلاق أو بأنه خادع أو بأنه كائد أو بأنه مستهزئ على وجه الإطلاق بل يقال إنه سبحانه وتعالى ماكر بمن يمكر به ومستهزئ بمن يستهزئ به وهكذا.
|