إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا آله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله الله تعالى رحمة للعالمين وقدوة للعاملين وحجة علي من أرسله إليهم أجمعين وصلوات الله وسلامه عليه وعلي آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين أما بعد
فقد قال الله عز وجل: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعباده ربه أحدا) إن العمل الصالح هو الموافق لشريعة الله المبني علي الإخلاص لله فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا إن العبادة لا تتم الا بشرطين أساسيين احدهما الإخلاص لله بان لا ينوي الإنسان بعبادته شيئا من أمور الدنيا لا جاه ولا مال ولا رئاسة ولا سمعة وإنما يقصد بأمر الآخرة يقصد بذلك وجه الله عز وجل والوصول إلي دار كرامته أما الشرط الثاني وهو إتباع شريعة الله التي جاء بها محمد رسول الله خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه فمن عمل عملا لا يوافق شريعة رسول الله فهو آثم وعمله مردود عليه قال الرسول صلي الله عليه وعلي آله وسلم: ( كل بدعة ضلاله ) وقال: ( من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد) أيها المسلمون أنكم في هذه الأيام تستقبلون أياما عظيمة أياما شريفة أياما قال فيها رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلي الله من هذه الأيام العشر قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) ويعني بهذه الأيام العشر يعني بها عشر ذي الحجة من أول يوما إلي اليوم العاشر وهو عيد الا ضحي هذه الأيام أكثروا فيها من العمل الصالح أكثروا فيها من تلاوة القرآن أكثروا فيها من الذكر أكثروا فيها من الصدقة صوموا أيامها فان العمل الصالح فيهن أحب إلي الله فانه ما من أياما العمل الصالح فيهن أحب إلي الله من هذه الأيام العشر ولقد غفل كثير من الناس عن فضل هذه الأيام العشر وتركوها ولم يقوموا فيها بما ينبغي أن يقوموا فيه من العمل الصالح وإن الحجاج وإن الحجاج في هذه الأيام يستقبلون السفر إلي بيت الله الحرام يرجون مغفرة الله عز وجل ويأملون الفوز بالنعيم المقيم ويؤمنون انه ما من إنسان انفق نفقة يبتغي بها وجه الله الا أثيب عليها ويؤمنون أيضا بالخلف العاجل من الله عز وجل لقول الله تعالى: ( وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين ) أيها المسلمون أنكم تتوجهون إلي بيت الله الحرام في شهر حرام تؤدون عبادة من اجل الطاعات من اجل العبادات هي احد أركان الإسلام التي لا يتم الا بها لمن لم يؤدي فريضتها فقوموا أيها المسلمون قووموا في سفركم إلي هذه الأمكنة الفاضلة قوموا في سفركم إلي هذه الأمكنة الفاضلة وفي إقامتكم هنالك بما أوجب الله عليكم في الطهارة والصلاة وغيرهما من شعائر الدين إذا وجدتم الماء فتطهروا به للصلاة فان لم تجدوا ماءا فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه أدوا الصلاة جماعة لا تشتغلوا عنها بشئ لان الصلاة يمكن أن تفوت والشغل يمكن قضاؤه فيما بعد صلوا الرباعية ركعتين من حين مغادرة بلادكم حتى ترجعوا إليها فصلوا الظهر والعصر والعشاء علي ركعتين ركعتين الا أن تصلوا خلف إمام يتم فاتيموها أربعا سواء أدركتم معه الصلاة كلها أو بعضها ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا اجمعوا بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم أو جمع تأخير حسب المتيسر لكم هذه إن كنتم سائرين أما إن كنتم نازلين فالأفضل أن لا تجمعوا صلوا من النوافل ما شئتم صلوا صلاة الليل صلوا ركعتي الضحى صلوا الوتر صلوا كل صلاة نافلة الا سنة الظهر وسنة المغرب وسنة العشاء فالأفضل أن لا تصلوها كما جاءت بذلك السنة عن النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم تخلقوا بالأخلاق الفاضلة من الصدق والسماحة وبشاشة الوجه وخفة النفس والكرم بالمال والكرم بالبدن والكرم بالجاه وأحسنوا إن الله يحب المحسنين واصبروا علي المشقة والاذي فان الله مع الصابرين وقد قيل إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال فإذا وصلتم الميقات فاغتسلوا كاغتسال الجنابة وطيبوا أبدانكم الرؤوس واللحى والبسوا ثياب الإحرام غير مطيبة إزارا ورداء أبيضين للذكور وأما النساء فيلبسن ما شئن غير متبرجات بزينة احرموا من أول ميقات تمرون به سوا كان ميقات بلدكم أو غيرها لان النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وقت المواقيت وقال: ( هن لأهلهن ومن أتي عليهن من غير أهلهن من من يريد الحج أو العمرة) ومن كان في الطائرة فليتأهب للإحرام قبل محاذاة الميقات ثم يحرم إذا حاذاه بدون تأخير أو إذا احرم قبله خوفا من أن يفوته الميقات لان الطائرة سريعة المرور به فلا حرج عليه احرموا بالنسك من غير تردد ولا شرط الا أن تخافوا من عائق يمنعكم من إتمام النسك من مرض أو غيره فقولوا عند الإحرام إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني احرموا بالعمرة قائلين اللهم لبيك اللهم عمرة لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وارفعوا أصواتكم بالتلبية أما النساء فلا يرفعنّ أصواتهن بها فإذا وصلتم المسجد الحرام فطوفوا بالبيت طواف العمرة سبعة أشواط ابتداء من الحجر الأسود وانتهاء به وطوفوا بجميع البيت وإياكم أن تدخلوا من بين الكعبة والحجر فمن فعل ذلك فان شوطه الذي دخل فيه من هذا الباب لا يصح لان الله تعالى قال ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) والحجر أكثره من البيت وعلي هذا فمن دخل بالباب الذي علي الحجر فانه لم يكن قد طاف بالبيت ولا تشق علي انفسكم بمحاولة الوصول إلي الحجر الأسود لاستلامه أو تقبيله وأشيروا اليه عند المشقة ولا تكلفوا أنفسكم بمحاولة الدنو من الكعبة إن الخشوع في الطواف أفضل من القرب إلي الكعبة وجميع المسجد مكان للطواف أسفله وأوسطه وأعلاه ما دمت داخل حدود المسجد فإذا أتممتم الطواف فصلوا ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر والا ففي أي مكان في المسجد ولا تصلوا في مكان يحتاج الطائفيين إلي الطواف فيه فان ذلك عدوان عليهم وليس لكم حرمه إذا صليتم في مكان الطائفين فللطائفين أن يمروا من بين أيديكم وان يخلخلوا عليكم صلاتكم لأنه لا حق لكم أن تصلوا في مكان الطائفين فإذا صليتم الركعتين فأخرجوا إلي المسعى أو بين الصفا والمروة سعي العمرة سبعة أشواط تبتدئون بالصفا وتنتهون بالمروة ذهابكم من الصفا إلي المروة شوط ورجوعكم من المروة إلي الصفا شوط آخر فإذا أتممتم السعي فقصروا رؤوسكم من جميع الجوانب بل قصروا جميع الرأس حتى يظهر اثر التقصير علي الشعر والمرأة تقصر بقدر أنمله أي بقدر فصله إصبع وبذلك تمت العمرة فتحلون الحل كله تلبسون الثياب وتتطيبون وتتمتعون بالنساء فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة فاحرموا بالحج من مكانكم الذي أنتم فيه سواء كنتم في مكة أو في خارج مكة أو في مني احرموا من المكان الذي أنتم فيه واصنعوا عند الحرام بالحج كما صنعتم بالعمرة قولا وفعلا إلا إنكم تقولون في الحج لبيك حجا بدل لبيك عمرة ثم صلوا في مني ظهر اليوم الثامن والعصر والمغرب والعشاء والفجر قصرا بلا جمع اقتداء برسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم فإذا طلعت الشمس من اليوم التاسع فسيروا إلي عرفة وصلوا بها الظهر والعصر قصرا وجمع تقديم ثم اشتغلوا بذكر الله ودعائه والتضرع إليه وارفعوا أيديكم حين الدعاء متضرعين إلى الله مستقبل القبلة ولو كان الجبل خلف ظهوركم وكل عرفة موقف الا بطن الوادي عرنة وانتبهوا أيها الاخوة انتبهوا إلى حدود عرفة فان بعض الناس ينزل قبل أن يصل إليها ثم ينصرف من مكانه بدون وقوف فيها ومن لم يقف بعرفة في وقت الوقوف فانه لا حج له فإذا غربت الشمس فسيروا إلي مزدلفة ملبين وصلوا بها المغرب والعشاء المغرب ثلاث والعشاء ركعتين متي وصلتم إليها الا أن ينتصف الليل قبل وصولكم إليها فصلوا قبل منتصف الليل لان وقت العشاء يخرج إذا انتصف الليل ولا يحل للإنسان أن يؤخر الصلاة عن وقتها فإذا صليتم الفجر في مزدلفة فقفوا عند المشعر الحرام أو في أي مكان من مزدلفة واذكروا الله تعالى وادعوه حتى تسفروا جدا ثم سيروا إلي مني ملبين وابدءوا بجمرة العقبة وهي الأخيرة التي تلي مكة فارموها بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة كل حصاة اكبر من الحمص قليلا تلقطونها من حيث ما شئتم والحكمة من رمي هذه الجمرات تمام التعبد لله و أقام ذكر الله واتباع رسول الله فارموها معظمين لله بقلوبكم وألسنتكم فإذا رميتم جمرة العقبة فاذبحوا الهدى ثم احلقوا الرؤوس والمرأة تقصره فإذا رميتم وحلقتم أو قصرتم فقد حل لكم كل شئ من محظورات الاحرام سواء النساء فالبسوا الثياب وتطيبوا ثم انزلوا إلي مكة فطوفوا بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وذلك للحج وبفعل هذه الأربعة الرمي والحلق أو التقصير والطواف و السعي تحلون من محظورات الاحرام كلها حتى النساء واعلموا أيها الاخوة انه لا علاقة لتحلل بالنحر فيجوز للإنسان أن يتحلل دون أن ينحر لان النحر لا اثر له في التحلل أيها المسلمون إن الحجاج يفعلون يوم العيد خمسة أنساك الرمي ثم النحر ثم الحلق أو التقصير ثم الطواف ثم السعي مرتبةً هكذا فإن قدموا بعضها علي بعض فلا حرج لان رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم: ( كان يسال يوم العيد عن التقديم و التأخير فلا يسأل يوم أذن عن شئ قدم ولا آخر ألا قال افعل ولا حرج) ويجوز تأخير الطواف والسعي عن يوم العيد ويجزئ ذلك عن طواف الوداع إذا أتى بهم الإنسان عند سفره من مكة إلي بلده ثم بيتوا بمني ليلة الحادي عشر وليلة الثاني عشر وارموا الجمرات الثلاث في اليومين بعد الزوال ابدوا برمي الجمرة الصغرى وهي الأولي الشرقية بسبع حصيات متعاقبات تكبرون مع كل حصاة ثم تقدموا عن الزحام واستقبلوا القبلة وارفعوا أيديكم وادعوا الله تعالى دعاء طويلاً ثم ارموا الوسطي كذلك وقفوا بعدها للدعاء كما فعلتم بعد الأولي ثم ارموا الجمرة الكبرى جمرة العقبة ولا تقفوا بعدها للدعاء لان النبي صلي الله عليه وسلم كان يفعل هكذا ولا ترموا في اليوم هاتين قبل الزوال ولكم تأخير الرمي إلي الليل مع الزحام والمشقة في النهار لان النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وقت أول الرمي دون آخره وإذن للضعفاء أن يدفعوا من مزدلفة قبل الفجر ليرموا قبل زحمة الناس وعلي هذا إذا كان تأخير الرمي إلي الليل ابلغ في الخشوع واسلم من الخطر فتأخيره إلي ذلك يكون حسنا ليؤدي الإنسان العبادة براحة وطمأنينة وارموا بأنفسكم ولا توكلوا أحدا في الرمي عنكم لان الرمي من الحج وقد قال الله تعالى : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) ولان النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم لم يرخص للضعفاء من أهله أن يوكلوا بل أذن لهم أن يدفعوا من مزدلفة قبل الناس حتى يرموا بأنفسهم ولان النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم لم يرخص للرعاة الذين يغيبون عن مني مع إبلهم أن يوكلوا بل أذن لهم أن يرموا يوما وان يدعوا يوما إلي اليوم الثالث الا إذا كان الإنسان لا يستطيع الرمي بنفسه كالمريض والكبير العاجز والمرأة الحامل التي تخشي علي نفسها أو علي حملها فيجوز لهم التوكيل لتعزر رميهم بأنفسهم وحينئذ يرمي الوكيل عن نفسه أولا ثم موكله ثانيا ولو في موقفا واحد ومن سقطت منه حصاة وهو يرمي فله أن يأخذ أن يأخذ حصاة من مكانه الذي هو واقفا فيه ويرمي بها ولا حرج عليه في ذلك حتى ولو كان قريبا من الحوض لان الحصاة حصاة سواء رمى به أو لم يرمى به وعلي هذا إذا سقطت منك حصاة فخذها من المكان الذي أنت واقفا فيه ولو كنت إلي جنب الحوض فإذا رميتم الجمرات الثلاث يوم الثاني عشر فان شئتم فانزلوا إلي مكة وان شئتم فتأخروا إلي اليوم الثالث عشر لترموا الجمرات الثلاث كما رميتموها في اليومين السابقين وهذا أفضل لقوله تعالى: ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقي ) ولان ذلك فعل رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم ولان ذلك أكثر عملا حيث يحصل للإنسان المبيت في اليوم الثالث عشر فإذا أتممتم أفعال الحج كلها وأردتم السفر إلى بلادكم فلا تخرجوا من مكة حتى تطوفوا للوداع الا إن الحائض والنفساء لا وداع لهما لقول بن عباس رضي الله عنهما: ( أمر الناس بأن يكون آخر عهدهم بالبيت يعني الطواف قال الا انه خفف عن الحائض) واحذروا مما يفعله بعض الناس الذين يقدمون طواف الوداع علي رمي الجمرات في آخر يوم حيث كان ينزل في ضحي اليوم الثالث عشر فيطوف للوداع ثم يرجع إلي مني فيرمي الجمرات ثم يغادر فمن فعل ذلك فان طوافه للوداع غير صحيح أي لا يجزئه عن الوداع لانه كان قبل تمام الحج ولم يكن آخر عهده بالبيت أيها الاخوة المسلمون احرصوا علي أن تعرفوا صفة الحج والعمرة قبل أن تفعلوهما لتعبدوا الله علي بصيرة واستصحبوا معكم من مناسك الحج حتى تسيروا علي هديها واصطحبوا من طلبة العلم ما يدلكم علي ذلك وفقني الله وإياكم للإخلاص له ولإتباع لرسول صلي الله عليه وعلي آله وسلم حتى يتحقق لنا قول الله تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ) انه جواد كريم والحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم علي نبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين . الحمد لله حمد كثيرا كما أمر واشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر واشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد البشر صلي الله عليه وعلى آله واصحابه والتابعين لهم بإحسان ما بدى الفجر وأنور وسلم تسليما كثيرا أما بعد
أيها المسلمون فان من نعمة الله علي عبادة انه لما شرع للحجاج ما شرع من الهدى جعل لغير الحجاج ما يماثله من الأضحية فشرع لعباده أن يضحوا يوم العيد وثلاثة أيام بعده كل هذه الأيام الأربعة وقت للأضحية فالأضحية سنة مؤكدة حتى قال بعض العلماء إنها واجبة وهذا مذهب أبا حنيفة واصحابه ورواية عن الإمام احمد وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام بن تيمية لان الأضحية واجبة علي من قدر عليها والأضحية شعيرة من شعائر الإسلام فهي بنفسها عبادة والمقصود بها الذبح تعظيما لله عز وجل والأكل منها واطعام الفقير لقول الله تبارك وتعالى: ( فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمقتر) وان بعض الناس ينظر إلي هذه الأضحية نظرة مالية نظرة اقتصادية فلذلك ينخدعون بالدعاية التي تدعوا إلي اخذ قيمة الأضاحي ثم الأضحية بها في بلاد بعيدة لا يشهدها المضحي ولا يدري عنها ولا يدري هل اخذ ما يجزئ أو ما لا يجزئ ولا يدر من يذبحها هل يذكر اسم الله عليها أم لا ولا يدري كيف توزع وهل توزع على المسلمين أو على المسلمين وغيرهم ثم يفوته ما يفوته من ذكر اسم الله عليها وشروطها والأكل منها وقد قال بعض العلماء إن الأكل من الأضحية واجب لان الله تعالى قال:( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فبدأ بالأكل قبل إطعام البائس الفقير وإذا كان الله تعالى قد امرنا بالأكل منها وجعل بعض العلماء ذلك واجبا يعصي به الإنسان إذا لم يفعله فكيف تطيب نفوسنا أن نرسل دراهم يضحي بها عنا في مناطق بعيدة وهل يمكن أن نأكلها وهي في تلك البلاد البعيدة إن هذا لا يمكن وإن دعوة الناس إلي أن يضحوا خارج بلادهم دعوة غلط لا تتمشي علي ما تنبغي أن تكون عليه الأضحية في بلدك أمام أمام أولادك وفي بيتك تذبحها بنفسك إن استطعت تذكر اسم الله عليها تتقرب إلي الله تعالى بالذبح ولهذا لو ذبح الإنسان ذبيحة تعظيما لملكا أو لرئيس لكان مشركا بالله شرك اكبر لان الذبح ذاته عبادة فلماذا لا تذبح أنت بنفسك أو تشهد ذلك أو تشهد ذلك كما قاله العلماء رحمهم الله قالوا ينبغي للإنسان أن يباشر ذبيحته بنفسه إن احسن وألا وكل مسلما وشهدها إذن هذه الدعوة إلي أن ننقل ضحايانا وشعائر دينينا إلي أماكن بعيدة دعوة عن مقصود الشرع ومقصود الشرع أن تظهر الشعائر في بلاد المسلمين في كل بلد تظهر في البيت في بيتك وفي بيت جارك وبيت حيك وبيت بلدك ليس المقصود منها ليس المقصود منها لحما يتصدق به الإنسان على الفقير ولهذا فرق النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم بين الأضحية واللحم كما سنذكره إنشاء الله , أيها الاخوة أنا أدعوكم أن تجعلوا ضحاياكم هنا في بلادكم وتحت رعايتكم وتأكلوا منها امتثالا لامر ربكم حتى تظهر شعائر الله في بلاد الله بين عباد الله أما أولئك المحتاجين الفقراء في البلاد النائية فإنه من الممكن أن يبذل الإنسان ما يسر الله عليه من المال لينتفعوا به لا في الأكل فحسب ولكن في الأكل واللباس وغير ذلك ولكن هم ليسوا محتاجين إلي الأكل فقط هم محتاجين إلي الأكل وإلى غيره فإذا أعطيتهم دراهم كان ذلك ارفق بهم وانفع لهم , أيها الاخوة ضحوا عن الأحياء يضحي الإنسان عن نفسه وعن أهل بيته كما كان النبي صلي الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته ومن أراد أن يضحي فانه إذا دخل العشر أي العشر من ذي الحجة لا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشره أي من جلده شيئا حتى يضحي هكذا قال النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم هكذا من يضحي أما من يضحي عنه فلا حرج عليه أن يأخذ ذلك علي هذا فالعائلة يحل لهم أن يأخذوا من شعورهم وأظفارهم وابشارهم لانهم لا يضحون ولكن يضحي عنهم , أيها الاخوة إنني اكرر أن تكون ضحاياكم في بلادكم وتحت رعايتكم وتذكروا اسم الله عليها إن ذبحتموها أو توكلون أحدا يذبحها وتحضرونها وتأكلون منها وتطعمون البائس الفقير وتهدون علي الغني الذي لا يحتاج وإنني قد كتبت ما تيسر في بيان نقل الأضاحي إلي بلاد أخرى حيث يفوت بنقلها مصالح عظيمة منها انه يفوت شعيرة من شعائر الله تعالى وهي الأضاحي فتصبح البلد معطلة من هذه الشعيرة في بعض البيوت وربما أدى ذلك إلي التوسع فتعطلت كثير من البيوت من هذه الشعيرة ومن المعلوم إن الأضاحي من شعائر الله وليس المقصود منها مجرد الانتفاع باللحم قال الله تعالى: ( لن ينال الله لحومها ولا دمائها ولكن يناله التقوى منكم ) وفرق النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم بين الأضحية واللحم وقال: ( من صلي صلاتنا ونسك نسوكنا فقد أصاب النسك ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم فقال رجل يا رسول الله نسكت قبل أن أخرج إلي الصلاة فقال النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم تلك شاة لحم) يعني لا أضحية وتأمل كيف قرن النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم بين الصلاة والنسك وقال من صلي صلاتنا ونسك نسكنا إذن فالأضحية أمرها عظيم هي نسك المسلمين كما إن الصلاة أمرها عظيم وهي صلاة المسلمين ولهذا قرن الله بينهما في كتابه كما قرن بينهما رسوله صلي الله عليه وعلى آله وسلم فقال الله تعالى: ( فصلي لربك وانحر ) وثبت عنه صلي الله عليه وسلم انه قال: ( من ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه و أصاب سنة المسلمين ) وهذا الحديث وما قبله دليل واضح علي انه ليس المقصود من الأضاحي مجرد الانتفاع باللحم إذ لو كان كذلك لم يكن فرق بيين المذبوح قبل الصلاة والمذبوح بعدها ويدل لهذا أيضا إن الأضحية خصت بنوع معين من البهائم هي الإبل والبقر والغنم من البهائم وقيدت بشروط معينة كبلوغ السن والسلامة من العيوب وكونها في أيام النحر ولو كان المقصود مجرد الانتفاع باللحم لجزئت بكل بهيمة بكل بهيمة حلال كالدجاج والظباء والخيل ولغيرها ولجزئت بالصغير من الأنعام ولجزئت بالعضو من البهيمة فالأضاحي لها شأن كبير في الإسلام ولهذا جعل الله لها حرمات منها ما اشرنا اليه انفا إنه إذا دخل العشر فان الإنسان إذا كان يريد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من ظفره ولا من بشرته شيئا هذه مصلحة تفوت إذا أنت ضحيت خارج بلادك المصلحة الثانية مباشرة المضحي ذبح أضحيته فإن السنة أن يذبح المضحي أضحيته بنفسه تقربا إلي الله واقتداء برسول الله صلي الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يذبح أضحيته بنفسه وقد قال أهل العلم إذا كان المضحي لا يحسن الذبح بنفسه فليحضر الذبح المصلحة الثالثة انه يفوت الإنسان إذا أخرج أضحيته عن بلده يفوته شعوره بالتعبد لله تعالى بالذبح بنفسه الذي قرنه الله تعالى بالصلاة الذي قرنه الله تعالى بالصلاة وهذا أمر له أهميته المصلحة الرابعة التي تفوت بنقل الأضاحي إلي الخارج البلاد ذكر المضحي اسم الله على أضحيته وقد أمر الله تعالى بذكر اسمه عليها وقال:(والبدنة جعلنها لكم من شعائر الله فاذكر اسم الله عليها صواف ) وقال: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله اسلموا ) وفي هذا دليل على إن ذبح الأضحية وذكر اسم الله عليها عبادة مقصودة بذاتها وإنها من توحيد الله وتمام الاستسلام وربما كان هذا المقصود اعظم بكثير من مجرد انتفاع الفقير بها المصلحة الخامسة الأكل من الأضحية فان المضحي إذا ضحي خارج البلاد لا يمكن أن يأكل من أضحيته مع انه مأمور بالأكل منها أما وجوبا أو استحبابا علي خلاف في ذلك بين العلماء بل إن الله تعالى قدم الأكل منها علي إطعام الفقير فقال الله تعالى: ( فكلوا منها و أطعموا البائس الفقير ) وقال: (فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها و أطعموا القانع والمقتر ) ومن المعلوم انه إذا ضحي خارج البلد فانه لا يأكل منها فيكون علي هذا أما انه تارك الأفضل بناء علي قول من قال بوجوب الأكل منها من أهل العلم وإذا كانت الأضاحي وصايا فان نقلها تفوت به مصلحة سادسة وهي مقصود الموصين لان الموصين الذين أوصوا بالضحايا لم يخطر ببالهم حين أوصوا بها ألا أن تضحي في بلادهم وان ينتفع بها وان ينتفع بها الذرية والأقارب وان يباشروا بأنفسهم هذه الوصية ولم يخطر ببالهم أبدا إن أضاحيهم سوف تنقل إلي بلاد أخرى قريبة أو بعيدة فيكون في نقل الأضاحي فيكون في نقل أضاحي الوصايا مخالفة لما يظهر من مقصود الموصين ومع ذلك أي مع فوات هذه المصالح بنقل الأضاحي إلي خارج البلاد فان نقلها إلي خارج البلاد خطر كبير يظهر للمتأمل ألا وهو إن الناس ينظرون إلي العبادات المالية نظرة اقتصادية محضة أو نظرة تعبدية قاصرة بحيث يشعر انه استفاد منها مجرد الإحسان إلي الغير مع إن الفائدة من العبادات المالية هي التعبد لله تعالى وتكون في الأضحية بالذبح وابتغاء مرضاة الله والتقرب إلي الله عز وجل بحيث يشعر الإنسان انه بهذا الفعل متعبد إلي الله متقربا إليه لا انه مجرد إنسان احسن إلي أخيه إذن فنقل الأضاحي إلي خارج البلاد تفوت به ستة مصالح كما سمعتم وبالإضافة إلي فوات هذه المصالح تحصل به هذه المفسدة الأخيرة فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعا للبصيرة في دينه والدعوة إليه إلى ما يحبه ويرضاه انه جواد كريم واعلموا أيها الاخوة أن العطف علي الفقراء من أفضل الأعمال المقربة إلي الله ولكن العطف والعاطفة يجب أن يكونوا مبنيين علي كتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وعلي آله وسلم وليس التعبد لله يكون بمجرد الذوق واستحسان الإنسان له لو كان كذلك لكان أهل البدعة يستحسنون ما هم عليه من البدع ويرون إنها افضل من اتباع السنة الصحيحة الصريحة ولكن العبادات مبنية علي الاتباع اتباع رسول الله صلي الله عليه وعلي آله وسلم فمن عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود عليه ولهذا كان النبي صلي الله وسلم في خطبة الجمعة يقول: ( أما بعد فان خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلاله) أي أيها المسلمون هذا ما قال النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم خير الهدى هدي محمد صلي الله عليه وسلم وكان صلي الله عليه وسلم في الأضحية كان من هديه أن يتولي ذبحها بنفسه ويأكل منها ويطعم كما أمره بذلك ربه سبحانه وتعالى فاتعبوا أيها المسلمون اتبعوا أثار النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم والإحسان للمحتاجين يكون بطرق أخري يعرفها الناس لكن العبادات أمرها علي التوقيف أيها المسلمون اكثروا من الصلاة والسلام علي نبيكم محمد صلي الله عليه وعلي آله وسلم لان الله أمركم بذلك في قوله أمرك بالصلاة والسلام عليه في قوله: ( إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صلي وسلم علي عبدك ورسولك محمد اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهرا وباطنا اللهم توفنا علي ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم اسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم ارضي عن خلفائه الراشدين وعن الصحابة وعن التابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين اللهم ارضي علينا معهم بمنك وكرمك يا رب العالمين اللهم اعز الإسلام والمسلمين و أذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين واجعل بلدنا هذا آمنا وسائر بلاد المسلمين اللهم اجمع كلمتنا علي الحق اللهم آلف بين قلوبنا اللهم ارزقنا احترام كبارنا ورحمة صغارنا يا رب العالمين اللهم وفقنا إلي ما تحب وترضي انك علي كل شئ قدير اللهم انصر إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك اللهم انصرهم على عدوهم اللهم كن بهم رحيما اللهم كن بهم رحيما اللهم اغفر لقتلاهم وكل أحيائهم يا رب العالمين اللهم فرج كرباتهم واكشف غمومهم ويسرهم لليسري وجنبهم العسري يا رب العالمين اللهم أنا نسألك بأسمائك الحسني وصفاتك العليا أن تنزل بالصرب النصارى بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين اللهم انزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين اللهم مجري السحاب ومنزل الكتاب وهازم الأحزاب اهزم الصرب ودمرهم يا ارحم الراحمين اللهم اجعل باسهم بينهم اللهم اجعل بأسهم بينهم اللهم اجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين اللهم عليك بهم اللهم عليك بهم اللهم عليك بهم اللهم اشدد وطأتك عليهم يا رب العالمين اللهم اجعل لإخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك بالنصر العزيز والفتح المبين اللهم امنحهم رقاب أعدائهم اللهم أورثهم ديارهم وأموالهم ونسائهم وذرياتهم انك علي كل شئ قدير أقول قولي هذا واستغفر الله ليّ ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم . |