وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً
أما بعد:
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى واعبدوه واذكروا نعمته عليكم واشكروه وتذكروا بدايتكم ونهايتكم تعرفوا آيات الله وتعظموه إن أول إن أول خلق بني آدم أن خلق الله آبائهم آدم من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين فسواهم في بطون أمهاتهم يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث ثم بعد ذلك تنفخ فيه الروح فإن الجنين في بطن أمه كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتنقل إلى أربعة أطوار يكون أربعين يوماً نطفه ثم أربعين يوماً علقه ثم أربعين يوماً مضغة مخلقة وغير مخلقة حتى يتم له مائة وعشرون يوما أربعة أشهر كاملة ثم يبعث الله إليه ملكاً موكل بالأجنة فينفخ فيه الروح ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقاؤه أو سعادته ثم يبقى بعد هذه الأشهر الأربعة ما شاء الله أن يبقى في بطن أمه ثم يخرجه الله تعالى إلى دار العمل والكسب فيمكث فيها ما شاء الله يمكث فيها ما شاء الله أن يمكث فمنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمل ثم يتوفى وبعد هذا ينتقل الإنسان إلى دار الجزاء فإذا مات انقطع عمله إلا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له وإنني بهذه المناسبة أحث نفسي وإياكم على انتهاز الفرصة ما دمنا في دار العمل أن نعمل لله مخلصين ولرسوله متبعين أن نبادر الأعمار قبل أن تنقضي فإنها إذا انقضت فلا عمل ما من ميت يموت إلا ندم إن كان مسيء ندم أن لا يكون استعتب وإن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد أيها المسلمون إخواني بادروا بالأعمال بادروا بالأعمال الصالحة أعماركم قبل انقضائها ثم إذا مات الإنسان بقي في البرزخ إلى قيام الساعة يوم يقوم الناس من قبورهم لرب العالمين عارية أجسادهم حافية أقدامهم شاخصة أبصارهم مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر هذه حقائق دل عليها كتاب الله وسنه رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليها المسلمون عباد الله إن لبني آدم حين انتقاله من دار الدنيا إلى الدار الآخرة أحوال ثلاثة بينها الله عز وجل في كتابه في آخر سورة الواقعة في قوله : (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ) أي بلغت الروح الحلقوم صاعدة من أسفل البدن حتى تخرج من أعلاه : (فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)و والله لا يستطيع أحد أن يرجعها إذا وصلت إلى هذا الحد أو أن يخرجها قبل أن تصل إلى هذا الحد إن الحياة والموت بيد الله عز وجل : (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) وأسال ربي وربكم في مقامي هذا أن يجعلني وإياكم من هؤلاء بمنه وكرمه : (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) أعاذني الله وإياكم من هؤلاء : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) سبحان الله العظيم ولقد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتفصيل ما يكون عند الموت وفي القبر فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كنا في جنازة رجل من الأنصار في البقيع فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله كأن على رؤوسنا الطير والرجل يلحد له فقال صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من عذاب القبر أعوذ بالله من عذاب القبر أعوذ بالله من عذاب القبر ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم كفن من الجنة و حنوط من الجنة فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا فيأخذها يعني ملك الموت فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها إلى السماء وتفتح لها أبواب السماء ويشعها مقربوها إلى السماء الثانية وهكذا بقية السماوات فلا يمرون بها على ملا من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي يدعى بها في الدنيا حتى تصل إلى السماء السابعة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في علين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله فيقولون له ما دينك فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم وفي رواية من نبيك فيقول هو رسول الله فينادي منادي من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وافتحوا له باب من الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الذي يأتي بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول ربي أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي اللهم اجعلنا من هؤلاء اللهم اجعلنا من هؤلاء اللهم اجعلنا من هؤلاء يا أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ثم ذكر بقية الحديث وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم كفن من النار وحنوط من النار فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب فتتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع الصفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط ويخرج منها كأخبث ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الريح الخبيث فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي يدعى بها في الدنيا حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح لها ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط أي لا تفتح لهم أبواب السماء أبدا ولا يدخلون الجنة أبدا لأن ذلك علق على مستحيل وهو أن يدخل الجمل في سم الخياط أي في سم الإبرة ومن المعلوم أن ذلك من المستحيلات وعلى هذا فأرواح هؤلاء الكفار لا تفتح لها أبواب السماء ولا يدخلون الجنة فيقول الله عز وجل اكتبوا كتاب عبدي في سجين الأرض السفلى فتطرح روحه يعني إلى الأرض طرحا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وو آله وسلم ومن يشرك بالله فكأنما خر من الماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيقولان له من ربك فيقول ها ها لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول ها ها لا أدري فينادي منادي من السماء أن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمموها فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الذي يجيء بالشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول ربي لا تقم الساعة لأنه يعلم لأنه عذاب الساعة أشد وأبقى أعوذ بالله من ذلك نسأل الله تعالى له أن يعيذنا جميعاً من هذا وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الميت إذا وضع في قبره وتولي عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعاله أتاه ملكان فأقعداه وذكر الحديث وفيه فيقال أنظر إلي مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة قال النبي صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعا ويدخل عليه من السرور ما لا يعلمه إلا الله عز وجل لأنه رأى مقعده من النار لو كان كافرا ورأى مقعده من الجنة حين كان مؤمنا أيها المسلمون هذا حق فاتقوا الله واعدوا له عدته وتعوذا بالله من عذاب القبر وأسالوا الله أن يجعل لكم القبور روضة من رياض الجنة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تجعل خير أعمالنا آخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا وأسعدنا يوم نلقاك يا رب العالمين اللهم اجعلنا ممن تتلقاهم الملائكة سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات و الذكر الحكيم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الحمد لله وكفى وسلام علي عباده الذين أصطفى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمد في الآخرة والأولى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم أهتدى وسلم تسليما.
أما بعد أيها المسلمون فمن كان منكم عليه صيام من رمضان فليقضه قبل أن يأتيه رمضان المقبل فإنه لا يحل لأحد كان عليه قضاء من رمضان أن يؤخره أن يؤخره إلى رمضان آخر لقوا عائشة رضي الله عنها كان يكون عليه الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان وهذا يدل على أنه لابد لمن كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه قبل أن يأتي رمضان اللاحق فاتقوا الله أيها المسلمون وأدوا ما أوجب الله عليكم وتفقدوا أنفسكم في الصيام وفي الزكاة وفي الصلاة وفي غيرها من واجبات الدين انتهزوا الفرصة لتقضوا ذلك في حياتكم قبل أن يفوت الأوان واحرصوا أيضاً على الديون التي عليكم للناس أدوها إذا كانت حاله وكنتم قادرين عليها لا تماطلوا بها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال مطل الغني ظلم ومن المعلوم أن الظلم ظلمات يوم القيامة كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الرجل إذا مطل بالحق مع قدرته على وفاءه ومع حلوله فإنه لا يمضي عليه ساعة لا وهو في معصية الله عز وجل كل ساعة بل كل دقيقة تمر عليه فإنه لا يزداد بها إلا إثما وإذا كان هذا الواجب على من كان عليه حق فإن الواجب على من له حق على معسر أن ينظره ولا يحل له أن يطلبه ولا أن يطالبه ولا أن يضطره إلى أن يتدين من غيره فإن ذلك إثم في كتاب الله عز وجل قال الله تعالى : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) أي فعليكم أن تنظروه حتى يوثر الله عليه وإن كثير من الناس الذين لا يخافون الله ولا يرحمون عباد الله إذا حلت ديونهم ألجأوا المدين إلى أحد أمرين إما أن يتدين فتراكم عليه الديون وإما أن يرفع إلى القاضي فيحكم عليه بالسجن ومن المعلوم أنه يجب على القاضي إذا ثبت عليه إذا ثبت عنده إعسار المدين يجب عليه أن أن يحكم بوجوب أنظاره حتى يؤسر لأن هذا قول الله عز وجل ولا يحل له أي للقاضي أن يحكم بحبسه وهو يعلم أنه معسر بل الذي ينبغي له أن يوبخ الدائن على مطالبته لهذا المدين المعسر فهاهنا حقان لابد أن نعرفهما الأول حق الدائن فيجب على المدين أن يبادر بقضائه مع حلوله وقدرته عليه ولا يحل له أن يتأخر والحق الثاني حق الدائن على المدين فلا يحل له أن يطالب المدين مع عسرته ولا أن يطلب ذلك منه أيضا لأنه إذا طلبه فقد يحوجه إلى أن يتدين فتتراكم عليه الديون فإذا علمت أن المدين معسر فأسكت عنه حتى يوسر الله عليه هكذا قال ربك عز وجل : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ) وأعلموا أيها المسلمون أن حقوق العباد لا يترك منها شي بل لابد أن توفى يوم القيامة حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال من تعدون المفلس فيكم قالوا المفلس من لا درهم عنده ولا دينار أو ولا متاع فقال المفلس من يأتي يوم القيامة بالحسنات أمثال الجبال فيأتي وقد ظلم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاته فطرح عليه ثم طرح في النار فاتقوا الله أيها المسلمون أدوا حقوق الله وحقوق عباد الله أدوها ما دمت في زمن الإمهال وفقني الله وإياكم بالقيام بالقيام بطاعته وفقني الله وإياكم بالقيام بطاعته واجتناب معصيته وهدانا صراطه المستقيم وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم صلى الله عليه وسلم فإنه هو الذي دلكم على الخير ورغبكم فيه وبين لكم الشر وحذركم منه اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد اللهم ارزقنا محبته وإتباعه ظاهراً وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم اسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم أجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهادة والصالحين اللهم أرضا عن خلفائه الراشدين وعن زوجاته أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين اللهم أرضا عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم اللهم اصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم اصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم ولى عليهم خيارهم وأكفيهم شر شرارهم يا رب العالمين ربنا أغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائي ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .
|