السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
الحمد لله الذي من على عباده بما أخرج لهم من الزروع والثمار وأنعم عليهم بمشروعية صرفها فيما يرضيه عنهم من غير إسراف ولا إقتار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العزة والاقتدار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار وسلم تسليما. أما بعد
أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واشكروه على ما أمدكم به من أموال وبنين، وجنات وعيون وزروع ومقام كريم، أمن ورخاء، وصحة ونماء، وفرة في المال ووفرة في البنين، وأرزاق تدر من كل ناحية وتزداد في كل آونة، أيها المسلمون إن الله تعالى يقول:(ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) وإن زيادة النعم إما منحة يستعين بها المرء على طاعة الله الذي منَّ بها وأخرجها له، وإما نقمة تجره إلى عقاب الله وغضبه، إن النعم إذا قام المرء بشكرها وصرفها فيما يرضي الله واستعان بها على طاعته كانت منحة وكانت نعمة تستمر إلى يوم القيامة، وإن كفرها وصرفها فيما لا يرضي الله وتوصل بها إلى معصيته وأزداد بها حسراً وبطراً وكبراً وغطرسة كانت محنة وأقرءوا قول الله عز وجل (وإذ تأذن ربك لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) لئن شكرتم أي لئن قمتم بطاعة الله واستعنتم بنعمته على ما يرضيه (لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) فالأول وعد والثاني وعيد ثم أقرءوا قوله تعالى (وضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) أيها الناس إنه في هذه الأيام تجنون ثمار نخيلكم التي خولكم الله إياها فاذكروا نعمة الله عليكم بها فهو الذي أخرجها لكم وهو الذي نماها في فروعها وحفظها وهو الذي يسرها لكم وشرع لكم الأنفاق منها فيما يرضيه فكانت لكم ذخراً وادخاراً في دنياكم وأخرتكم فاشكروا نعمة الله على ذلك وأدوا ما أوجب الله عليكم من زكاتها تندفع عنكم بذلك النقم وأعلموا أن ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين أيها المسلمون أتحسبون أن ما تخرجونه من زكاة ثماركم يضيع عليكم سدا أتحسبون أن ما تخرجونه غرم وخسارة فيما ربحتم كلا والذي فلق الحبة وبرء النسمة إنما تخرجونه من ذلك هو الباقي لكم وهو الربح المدخر لكم وهو الذي تدفعون به غرورتكم حين تأتون يوم القيامة حفاةً غير منتعلين عراةً غير مكتسين غرلاً غير مختونين بهماً غير متنورين تجدون ما تنفقونه في هذه الدنيا مدخراً لكم في ذلك اليوم أوفر ما يكون أجراً وأكثر ما يكون نفعا (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)، (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجرا)أيها الناس إنما تبخلون به من أموالكم وتبقونه في خزائنكم وتمنعون ما أوجب الله فيه عليكم إن هذا هو الضائع عليكم لأنكم إذا أبقيتموه فإما أن تأكلوه في حياتكم فيفنى أو تخلفوه ورائكم فينعم به الوارث البعيد أو الأدنى، ذبح آل النبي صلى الله عليه وسلم شاةً فتصدقوا بها ولم يبقى منها إلا كتف فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فسألهم ماذا أبقوا منها فقالت عائشة رضي الله عنها: (ما بقي منها إلا كتفها ) فماذا كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جوابه: (بقي كلها غير كتفها) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الذي بقي من الشاة حقيقة هو ما ادخروه منها ليوم القيامة وهو الذي تصدقوا به أما ما أبقوه فسيفنى وفي صحيح البخاري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (آيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنما ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) ولقد صدق نبي الله صلى الله عليه وسلم فإنما ما أخره المرء بقي بعد موته فصار لوارثه لا له وأما ما قدمه لله في حياته فأنه سيجده عند ربه، أيها الناس إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا فإن الصدقة تذهب الخطيئة كما يذهب الماء النار، ولا تظنوا أن الصدقة هي صدقة التطوع فقط فإن الصدقة هي الزكاة وهي أحب إلى الله من صدقة التطوع، وأقرءوا قول الله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) إلى أخر الآية فإن المراد بالصدقات هنا الزكوات وأقرءوا ما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال : (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه) وأعلموا أيها المسلمون أنه ما نقصت صدقة مالاً ، بل تحل فيه البركة فينتفع به صاحبه في الدنيا والآخرة، الشيطان يأمركم بالبخل لتمنعوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم ثم يأمركم بالتبذير فيما يضيع أموالكم ولا ينفعكم، يأمركم بالبخل في الزكاة فتمنعونها أو تنقصونها فتهدموا بذلك ركن من أركان دينكم وتعرضون أنفسكم لعقوبة الله وغضبه، أيها الناس إن الواجب على المسلم أن يحاسب نفسه في إخراج زكاته فلا يخرج من رديء المال عن طيبه فإن الله يقول (يا أيها الذين أمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) لقد كان بعض الناس يكون عنده أنواع من الثمار منها الجيد جداً ومنها الرديء فيخرج من الرديء عن الجيد وهذا حرام عليه ولا تبرأ به ذمته لأن مستحقي الزكاة شركاء له في ماله شركهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عدياً العشر وفيما سقي بالنضع نصف العشر فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة سهماً متاعا والسهم المتاع بعض المشترك فيكون من الجيد جيداً ومن الرديء مثله أما أن تخرج عن الجيد رديئاً فإن ذلك ظلم لنفسك وظلم صاحب الحق ومن أقرب ما يكون للعبد ومن أقرب ما يكون للعبد وإبراء الذمة أن يخرج الإنسان من قيمة ثمره وزرعه إذا باء فيخرج عشر القيمة إن كان البستان يسقى بالعيون فيحاً ويخرج نصف العشر نصف عشر القيمة إن كان يسقى بالمكائن وعلى هذا فإذا بعت ثمرة نخيلك على صوامع الغلال فأخذت الزكاة من القيمة التي تستلمها منهم أو خصموها عليك وهي خمسة في المائة إن كنت تسقي بالمكائن وعشرة في المائة إن كنت تسقي فيحاً فإن ذلك من أحسن ما يكون وأقربه إلى العدل وإبراء الذمة وقد نص على جواز الإخراج من القيمة الأمام أحمد رحمه الله فقال : (إذا باع ثمره أو زرعه وقد بلغ ففي ثمنه العشر أو نصفه) وقال شيخ الإسلام أبن تيميه رحمه الله : (إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل لا بأس به مثل إن يبيع ثمر بستانه أو زرعه بدراهم فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه) ولا شك أن ما قاله الإمام أحمد وما قاله شيخ الإسلام أحمد ، أن هذا أقرب إلى العدل وأبرا للذمة وأنفع للفقراء غالباً ولقد أنصف أهل الحقوق من ساواهم، فاتقوا الله أيها المسلمون وأخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها نفوسكم متحرين للعدل وإبراء الذمة أسال الله تعالى أن يوفقني وإياكم للقيام بطاعته على الوجه الذي يرضيه عنا وأن يجنبنا جميعاً أسباب سخطه ومعاصيه وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين أنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب ومعشر وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدا البدر وأنور، وسلم تسليما. أما بعد
أيها الناس اتقوا الله تعالى وأدوا زكاة أموالكم زكاة ثمار النخيل وزكاة الأموال التي تعدونها للبيع والشراء من أي نوع كان من المال أدوها إلى أهلها الذين حصر الله فيهم الاستحقاق في قوله:(إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) أدوها إلى هؤلاء الأصناف ومن كان منكم من قرابته أحد يستحقها بهذه الأوصاف فإن الدفع إليه أفضل من الدفع إلى الأجنبي لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة وعلى هذا فإذا كان عندك زكاة ولك أخ له بنون فإنه إذا كان فقيراً أحق من غيره وأفضل وأولى حتى لو صرفت إليه جميع زكاتك وكانت تكفيه بعائلته لمدة سنة فإن ذلك أفضل حتى لو صرفتها إلى أبنائه في تزويجهم فإن ذلك أفضل لأنه يجوز أن يعطى من الزكاة من كان محتاج للزواج وليس عنده ما يتزوج به فإن الزواج من ضروريات الحياة ولهذا يجب على من تجب عليه نفقة شخص يجب عليه إن يزوجه إذا كان في ماله سعة فإن الزواج من النفقة وعلى هذا فيجوز لك إذا عرفت من شخص أنه عازم على الزواج يجوز لك أن تدفع إليه من زكاتك ما يستعين به إذا كان لا يجد ذلك من ماله وأعلموا أيها المسلمون أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد رسول الله وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة في دين الله ضلالة، فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ شذَّ في النار، وأعلموا إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه فقال جل من قائلاً عليما: ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) اللهم صلى وسلم على عبدك ونبيك محمد الذي بلغ البلاغ المبين أدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد فيك حق الجهاد، اللهم فصلى وسلم عليه اللهم ارزقنا محبته وأتباعه ظاهراً وباطناً، اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته، اللهم اسقنا من حوضه، اللهم أدخلنا في شفاعته، اللهم أجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم أرضى عن خلفائه الراشدين وعن أولاده الغر الميامين وعن زوجاته أمهات المؤمنين وعن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم أرضنا عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين، اللهم أعز الإسلام بالمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وأجعل بلدنا هذا أمناً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم، اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم يا رب العالمين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، اللهم تب علينا أنك أنت التواب الرحيم وأغفر لنا أنك أنت الغفور الرحيم، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكن من الخاسرين، ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون |