إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هاديله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وتفقهوا في دين الله عز وجل لتعبدوا الله على بصيرة فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ومن يرد الله به خيراً يفقه في الدين فالفقه في دين الله نورٌ يسير به العبد إلى ربه في عقيدته وعبادته في أخلاقه ومعاملته بالعلم يعرف العبد ما يعتقده في ربه وبه يعرف العبد كيف يعبد ربه وبه يعرف كيف يتوضأ وكيف يغتسل وبه يعرف كيف يصلي وكيف يزكي وبه يعرف كيف يصوم وكيف يحج وكيف يعتمر بالعلم يميز بين الحق والباطل بين الحلال والحرام بين الواجب والمسنون بين الصحيح والفاسد بالعلم يعرف كيف يخالق الناس كيف يبر والديه كيف يصل أقاربه به يعرف كيف يعامل صديقه وكيف يجازي عدوه بالعلم يعرف كيف يعامل الناس بالعلم يعرف كيف يعامل الناس في البيع والشراء والتأجير والرهن والضمان والقضاء والاقتضاء فرحم الله امرءاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا أشترى سمحاً إذا قضى سمحاً إذا اقتضى بالعلم يعرف الحق الذي عليه فيؤديه إلى أهله وبالعلم يعرف الحق الذي له فيطلبه أو يتسامح فيه بالعلم يعرف كيف يوصي بعد موته وكيف يسبّل ملكه وكيف ينكح وكيف يطلق وبالعلم يعرف كيف فرائض الله التي فرضها للوارثين بعد الموت وبالعلم يسير الموفق بأمته في نور العلم والرشاد إذا تراكمت ظلمات الجهل والفتن والفساد بالعلم يهدي العالم أمته إلى الصراط المستقيم ويبين لهم المنهج القويم فما أكتسب كاسبٌ مالاً ولا جاهاً ولا رئاسةً أفضل من العلم وأعلى شأناً منه وأسمعوا قول الله عز وجل )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(المجادلة: من الآية11) واسمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) أيها الناس من استطاع منكم أن يتفرغ لطلب العلم وتحصيله فذلك أفضل وتلك نعمةٌ كبرى وغنيمةٌ فضلى وإن التفرغ لطلب العلم تفرغٌ للجهاد في سبيل الله وإن التفرغ لطلب العلم ليتأكد في هذا الزمان الذي قل فيه الفقهاء في دين الله وكثر فيه طلب الدنيا والإقبال عليها من أكثر الناس وبدأت نابغة البدع تدور حول بلادنا بل ربما تصل إلى بلادنا وكثر الناس الذين يفتنون بغير علم ولهذا كان طلب العلم في هذا العصر متأكداً غاية التأكد فالله الله أيها الشباب بطلب العلم فإنه زخرٌ لكم و سعادةٌ ورفعةٌ في الدنيا والآخرة ومن لم يستطع أن يتفرق لطلب العلم فليستمع إلى العلم وليجلس إلى أهله فيستفد منهم ويفد غيره ومن ثم ينبغي لأهل العلم أن يستغلوا فرصة جلوسهم مع الناس فيعلموهم ويفتحوا لهم باب المسألة والمناقشة لتكون مجالسهم مجالس مفيدةً مباركة تعود عليهم بالنفع وعلى الحاضرين لديهم وإننا نسأل الله أن يعفو عنا لنمضي كثيراً من مجالسنا غير ملاحظين لهذه الفائدة فنسأل الله أن يعفو عنا ما سلف وأن يرزقنا الانتباه لما يستقبل وأن يعيننا على نشر العلم في كل فرصةٍ سانحة إنه جوادٌ كريم أيها الناس من لم يستطع الاستماع إلى العلم والجلوس إلى أهله فلا أقل من أن يسأل عن الأمور التي لا يسعه جهلها في دينه ودنياه ومن أستفتى عالماً واثقاً بعلمه وأمانته فأفتاه فليأخذ بما أفتاه به ولا يتبع هواه في هذا فيرفض ما أفتاه به إذا لم يناسبه فإن بعض الناس إذا أستفتى عالماً فأفتاه فلم تناسبه الفتوى ذهب إلى عالمٍ آخر وإلى ثانٍ وثالث حتى يفتى بما يهو ومن كانت هذه حاله فإنه ممن يتتبع الرخص وهذا تلاعبٌ بدين الله وإتباعٌ للهوى دون الهدى ولكن إذا أستفتى عالماً فأفتاه ثم تبين له بعد ذلك بمجالسة العلماء والسماع منهم أنما أفتاه به الأول مخالفٌ لما دل عليه الكتاب والسنة فله حينئذٍ أن يعدل عن فتواه بل يجب عليه حينئذٍ أن يعدل عن الفتوى السابقة إلى ما دل عليه الكتاب والسنة وكذلك لو أستفتى شخصاً ليس في بلده من هو أولى منه وأعلم ومن نيته أنه إذا حصّل من هو أعلم منه استفتاه ولكنه استفتى من بلده للضرورة لأنه لا يجد أحداً أولى منه بالاستفتاء فلا بأس حينئذ أن يستفتي من هو أعلم منه لأن استفتاءه الأول كان للضرورة فهو كما قيل بمنزلة أكل الميتة تحل للضرورة فإذا وجد المزكاة فليأكلها أيها المسلمون انتبهوا لفضل العلم لفضل العلم والتفرغ له واحرصوا على تناوله ما استطعتم فإنه والله سعادة الدنيا والآخرة أيها المسلمون استمعوا إلى قول الله تبارك وتعالى )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1) )خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق:2) )اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق:3) )الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) (العلق:4) )عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:5) ثم قوله تعالى )الرَّحْمَنُ) (الرحمن:1) )عَلَّمَ الْقُرْآنَ) (الرحمن:2) )خَلَقَ الْأِنْسَانَ) (الرحمن:3) )عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن:4) كل هذه الآيات ونحوها فيها دلالةٌ على فضيلة العلم اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن ترزقنا علماً نافعاً وأن تنفعنا بما علمتنا وأن تزيدنا من فضلك والعلم إنك على كل شيءٍ قدير أقول قولي هذا واستغفروا الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..
الحمد لله الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم فهو الرحمن الذي علّم القرآن خلق الإنسان علمه البيان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الكريم المنان وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى على الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماٍ كثيراٍ..
أما بعد أيها الناس فإننا في هذه الأيام على أبواب عامٍ دراسي جديد أسأل الله تعالى أن يجعله عام خير وبركةٍ وتحصيلٍ للعلم النافع وإنني بهذه المناسبة أوجه خطبتي هذه إلى ثلاثة أصناف من الناس أوجهها إلى المعلمين وإلى المتعلمين وإلى أولياء أمور المتعلمين أما المعلمون فإن من أهم ما يتعلق بهم أن يحرصوا على إدراك العلوم التي يلقونها إلى الطلبة وأن يهضموها هضماً جيداً قبل أن يقفوا أمام الطلبة لئلا يقع الواحد منهم في حيرةٍ عند الشرح أو المناقشة لأن من أعظم مقومات شخصية المدرس أمام طلبته أن يكون قوياً في علمه وملاحظته ولا تنقصه قوته العلمية في تقوية شخصيته عن قوة ملاحظته إن المعلم إذا قام أمام الطلبة دون أن يهضم المادة كان ذلك نقصاً في أداء أمانته وسبباً في ارتكابه حين الشرح أو المناقشة وإذا أرتبك المعلم أمام الطلبة فلا تسأل عن إنحاط منزلته بينهم ثم إن أجاب بالخطأ فلن يثقوا به بعد ذلك مع جنايته العظيمة على العلم وإن تعسف وأنتهرهم عند مناقشتهم إياه وسؤاله كما يفعله بعض الأساتذة الفاشلين إذا سئلوا انتهروا الطلبة وتعسفوا وأمروهم بالجلوس والسكوت فإذا فعل ذلك فلن ينسجم مع الطلبة وستضيع الفائدة بينهم إذن لا بد للمعلم من إعدادٍ واستعدادٍ وتحملٍ وصبر وعلى المعلم أيضا أن يحرص على حسن الإلقاء فيسلك أقرب الطرق في إيصال المعاني إلى أذهان الطلبة ويضرب الأمثال ويناقشهم فيما ألقاه إليهم سابقاً ليكونوا على صلةٍ بالماضي ويبنوا عليه الحاضر ويعلموا أن هناك حرصاً ومتابعة من المعلم وإن على المعلم أيضاً أن يكون حسن النية والتوجيه فينوي بتعليمه الإحسان إلى طلبته وإرشادهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم وليجعل نفسه لهم بمنزلة الأب الرفيق الرحيم ليكون لذلك أثرٌ بالغٌ في نفوسهم ومحبةٌ في قلوبهم وعلى المعلم أيضا أن يظهر أمام الطلبة بالمظهر اللائق من الأخلاق الفاضلة والآداب العالية التي أساسها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليكون قدوة لتلاميذه في العلم والعمل وينال الأجر بذلك من الله عز وجل وإن التلميذ ليتقلى من معلمه الأخلاق والآداب أكثر مما يتلقاه من العلم من حيث التأثر لأن أخلاق المعلم وأعماله صورةٌ مشهودة معبرةٌ عما في نفسه ظاهرةٌ في سلوكه فتنعكس هذه الصورة تماما على إرادات التلاميذ واتجاهاتهم وأما المتعلمون فإن المطلوب منهم أن يبذلوا غاية جهدهم في التعلم من أول العام حتى يدركوا المعلومات إدراكاً حقيقياً ناضجا ثابتاً في قلوبهم راسخاً في نفوسهم أيها المتعلمون إنكم إذا حرصتم من أول العام أدركتم العلوم شيئاً فشيئاً فسهلت عليكم ورسخت في نفوسكم واسترحتم في آخر العام أما إذا أهملتم أول العام فسوف تتراكم عليكم الدروس ويوشك أن لا تدركوها في آخر العام فتضيع عليكم السنة بأكملها وإذا كان على المعلمين والتلاميذ واجباتٌ تجب مراعاتها فعلى عمداء دور العلم ومديريها ورؤسائها أن يرعوا من تحت أيديهم من المعلمين والتلاميذ وغيرهم في تطبيق الواجب لأنهم مسؤولون عنهم أمام الله عز وجل ثم أمام حكومتهم وأمام مواطنيهم وأما أولياء أمور المتعلمين من الآباء والأمهات والأخوة وغيرهم من أهل الولاية فعليهم أن يتفقدوهم وأن يراقبوا سيرهم ونهجهم العلمي والعملي والفكري والخلقي وأن لا يتركوهم هملاً فيضيعوا فإن إهمالهم ظلمٌ وضياع وغفلةٌ عما أمر الله به في قوله )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6) وإن في إهمالهم تخلياً عن المسؤولية التي حمّلها النبي صلى الله عليه وسلم أمته في قوله (الرجل راعٍ في أهل ومسؤول عن رعيه) فاتقوا الله عباد الله وليؤدي كل منكم ما إتمنه ربه فإذا ذلك خيرٌ له وإنه إذا أضاع الأمانة فسيسأل عنها يوم القيامة اللهم وفقنا جميعاً لأداء الأمانة وأعنا على القيام بمسئوليتنا من غير خداعٍ ولا خيانة اللهم إنا نسألك القيام في حقوقك وحقوق عبادك على الوجه الذي ترضاه عنا يا رب العالمين اللهم يسرنا للهدى ويسر الهدى لنا اللهم اغفر لنا ولوالدينا إنك أنت الغفور الرحيم اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. |