الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً بل قيمّا يهدي إلى الحق لينذر بأسا شديداً من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبةً ولا ولد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي زاده الله هدى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليماً كثيراً ..
أما بعد
فيا عباد الله اتقوا ربكم وانظروا فيما جرى للأنبياء من أممهم المكذبين وملأ قومهم الظالمين فقد كذبوا الرسل وعادوهم ورموهم بكل باطلٍ وانتقصوهم قالوا لأنبيائهم إنهم سحرة وقالوا إنهم مجانين كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسولٍ إلا قالوا ساحرٌ أو مجنونٌ أتواصوا به بل هم قومٌ طاغون وكذلك المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوه بكل قولٍ قبيحٍ هم أحقٌ به منه فقالوا عن ما جاء به من القرآن )إن هذا إلا سحرٌ يؤثر إن هذا إلا قول البشر وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً وهل هذا العيب وهذا اللمز وهذا التشويه والتقبيح والتنفير هل أسقط عن الأنبياء ما يجب عليهم من التذكير بآيات الله ودعوة عباد الله إلى دين الله؟ لا لم يسقط ذلك عنهم ما وجب عليهم من التبليغ والتذكير ولكن الله عز وجل كان يؤيد هؤلاء الرسل وينصرهم ويدافع عنهم تأملوا معي بارك الله فيكم قول الله تعالى في سورة الطور لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم )فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ) (الطور:29) أمره الله عز وجل أن يذّكر وأطلق التذكير ليعم كل ما أمر بالتذكير به ويعم جميع الناس وقال له )َمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ)(الطور: من الآية29) نعم ما نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم بما أنعم الله عليه من النبوة كاهناً ولا مجنونا بل هو نبيٌ رسولٌ صادق أكمل الناس عقلاً وأحسنهم تصرفاً ثم قالوا عنه إنه شاعرٌ ننتظر به الموت والهلاك كما مات من قبله من الشعراء ولكن الله قال لنبيه في جوابهم قال )قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) (الطور:31) انتظروا فليس ريب المنون خاصٌ بي دونكم فأنا متربصٌ بكم الهلاك وأنتم الهلاك إليكم أسرع ثم قال الله عز وجل )أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (الطور:32) يعني هل عقولهم تملي عليهم مثل هذا القول الفاسد؟ لا لأن كل عاقلٍ يعرف أن القرآن ليس بشعر وكل عاقلٍ يعلم أن الهلاك لا يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكن هؤلاء قومٌ طغاةٌ معتدون عتاة ثم قال الله عز وجل )أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ)(الطور: من الآية33) يعني أم يقولوا هؤلاء إن محمداً تقوّل القرآن وجاء به من عنده وكذبه على الله عز وجل قال الله تعالى رداً عليهم ببيان حالهم ) بَلْ لا يُؤْمِنُونَ)(الطور: من الآية33) أي هؤلاء قومٌ لا يؤمنون وإلا فهم يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتقوّل هذا القرآن ولا يمكن لأي عاقلٍ عالمٍ باللغة العربية أن يدعي أن محمداً صلى الله عليه وسلم تقوّل القرآن ذلك لأن القرآن قول الله عز وجل قول الخالق الذي ليس كمثله شيء ولا يمكن للمخلوق أن يأتي بمثل كلام الخالق ولكن الحامل لهؤلاء المكذبين على هذه الدعوة الباطلة الحامل لهم على ذلك كفرهم وجحودهم ثم إن الله تعالى تحدّاهم بقوله )فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور:34) أي فليأتوا بقولٍ مثل هذا القرآن في البلاغة والهداية والعلوم النافعة والعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة إذا كانوا صادقين فيما يدعون أنك تقوّلته فإنك بشر يتمكنون أن يأتوا بمثل كلامك فليأتوا بحديثٍ مثله إن كانوا صادقين ولكنهم عجزوا عن ذلك مع أنهم أمراء البيان وملوك الفصاحة بل إن الله عز وجل قال )قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) (الاسراء:88) أي لو تعاون الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما أتوا بمثله أبداً ولما تحدّ الله هؤلاء المكذبين الظالمين المعتدين تحدّاهم فأظهر عجزهم عن القدح في آياته الشرعية وهي ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم تحدّاهم الله تعالى بالآية الكونية فقال جل وعلا )أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35) يعني هل خُلقوا من غير خالق؟ هل خُلقوا صدفة بدون سبب؟ هذا أمرٌ لا يمكن لأن كل مخلوقٍ حادث وكل حادثٍ فله محدث وإذا كان لا بد من خالق لهم فهل هم الذين خلقوا أنفسهم؟ أمرٌ لا يمكن أيضاً لا يمكن لأي شخصٍ أن يدعي أنه خلق نفسه كيف وهو قبل أن يوجد معدوم ولا يمكن لأحدٍ أن يدعي أنه خلق غيره أيضاً لا يمكن للأب أن يدعي أنه هو الذي طوّر الجنين في بطن أمه نطفةً ثم علقةً ثم مضغةً ثم إنساناً حياً نفخت فيه الروح وإذا ثبت أنهم لم يحدثوا صدفة ولم يخلقوا أنفسهم تعين أن لهم خالقاً واحداً هو الله عز وجل وهم قد أقروا بذلك كما قال الله تعالى )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف:87) ثم انتقل الله عز وجل من تحديهم فيما يتعلق بخلق أنفسهم إلى ما يتعلق بخلقٍ أعظم منهم وأقدر فقال تعالى )أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض)(الطور: من الآية36) وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس كما صرّح الله به في قوله )لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاس)(غافر: من الآية57) إن هؤلاء لم يخلقوا أنفسهم ولم يخلقوا السماوات والأرض ولا يمكن أن يدعوا ذلك بل هم يقرون بأن خالق السماوات والأرض هو الله )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)(لقمان: من الآية25) إذا كانوا يقرون بأن الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض هو الله عز وجل فلماذا لا يصدقون رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالوحي من عند الله وأيده الله بالآيات البيّنات بل هم لا يؤقنون هم في أمرٍ مريجٍ مضطرب وشكٍ وريب ثم قال الله عز وجل في سياق تحدي هؤلاء المكذبين العتاة الطاغين )أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ)(الطور: من الآية37) يمنعونها عمن يشاءون ويعطونها من يشاءون فيدعون أنهم لم يعطوك النبوة وأنك كاذبٌ فيها لا ليس عندهم خزائن الله وإنما خزائن الله عنده وفضل الله يؤتيه من يشاء والله أعلم حيث يجعل رسالته ) أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ)(الطور: من الآية37) هل لهم السيطرة والسلطان والملك فيحجرون على الناس في تصرفهم؟ لا ليست لهم السيطرة ولا السلطان ولا الملك فنفى الله عنهم السلطتين سلطة البذل والعطاء وسلطة السيطرة والقوة إذن فهم لا يستطيعون أن يمنعوا فضل الله أو يعطوه غير من أراد الله قال جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآيات كاد قلبي أن يطير وكان سماعه لذلك رضي الله عنه من أكبر ما حمله على الإسلام فأسلم ثم قال الله تعالى لهم في مقام التحدي )أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيه)(الطور: من الآية38) أخبار السماء فيسمعوا أنك على الوصف الذي ذكروه من الكهانة والجنون والسحر والشعر والكذب؟ لا ليس لهم سلّمٌ يستمعون فيه فإن كابروا وادعوا ذلك فعلى المدعي البيّنة )ِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ)(الطور: من الآية38) بحجةٍ ظاهرةٍ على دعواه ولن يستطيعوا ذلك أبداً وكان هؤلاء المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم العائبون له بما هم أحق به من العيب قد عابوا الله من قبل فسموه الملائكة بنات الله فليس بغريبٍ عليهم إذا عابوا الله أن يعيبوا رسوله وهذه هي المناسبة في ذكر الآية والله أعلم )أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) (الطور:39) في سياق عيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد أن أبطل الله في هذه الآيات الكريمة ما ادعاه المكذبون لرسوله تحدّاهم بالمطالبة ببيان سبب هذا التكذيب يعني لماذا تكذبون رسول الله فقال )أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً)(الطور: من الآية40) عوضاً عن الإيمان بما جئت به وإتباعه ) فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ)(الطور: من الآية40) فيريدون أن يتخلصوا مما طلبت بالتكذيب؟ لا بل الرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يعطيهم المال ويتألفهم على الإسلام ببذل المال حتى إنه كان من أصناف أهل الزكاة المستحقين لها المؤلفة قلوبهم ثم قال الله عز وجل )أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) (الطور:41) ما علموا من الغيب فيرون رسالتك معارضةً لما عندهم فينكرونها خوفاً من إبطال ما علموا من الغيب لا ليس عندهم علمٌ من الغيب ولا كتابة فهم أمةٌ أمية جاهلة فكان مقتضى العقل وحسن التصرف أن يفرحوا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يزكيهم ويعلمهم الكتابة والحكمة ثم قال الله تعالى )أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً )(الطور: من الآية42)وهذا هو الواقع فإنهم لا يريدون بما وصفوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الكيد به وبدينه والقضاء عليه ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره (فَالَّذِينَ كَفَرُوا )(الطور: من الآية42) من أجل كفرهم وجحودهم ) هُمُ الْمَكِيدُونَ)(الطور: من الآية42) وحدهم المقضي عليهم بالذل والهلاك ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كله دعوةٌ إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته قال الله في ختام هذا الدفاع عن رسوله )أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ)(الطور: من الآية43) يلجأون إليه ويعبدونه من دون الله حتى يحيدوا عن طريق الرسول صلى الله عليه وسلم ، لا إنه ليس لهم إلهٌ سوى الله وما اتخذوه من الأوثان آلهة فليست آلهةً حقيقة لأنها ناقصةٌ معيبة )ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِل)(الحج: من الآية62) ثم قال الله منزهاً نفسه عن شرك هؤلاء ) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)(الطور: من الآية43) أن يكون له مثلٌ يعبد من دونه فإنه عز وجل ليس كمثله شيءٌ وهو السميع ولما بيّن الله عز وجل أن هؤلاء المكذبين ينكرون الآيات الشرعية ويكذبونها بيّن أنهم ينكرون الآيات الكونية أيضا فقال )وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً)(الطور: من الآية44) قطعاً من العذاب تسقط من السماء ) يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ)(الطور: من الآية44) فهو أمرٌ عاديٌ لا نخافه منه ولا نبالي به وهذا غاية ما يكون من العناد والطغيان أيها المسلمون إن هذه الآيات العظيمة التي بيّن الله بها كيف يدافع عن دينه وعن نبيه محمدٍِ صلى الله عليه وسلم وكيف كانت هذه السورة العظيمة مع هؤلاء الطغاة العتاة يبيّن لنا أن علينا جميعاً أن نذكر بآيات الله وأن ندعو عباد الله إلى دين الله وأن لا نخاف في الله لومة لائم وأن نكون واثقين بنصر الله عز وجل فإن الله يقول )إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المتقين المحسنين اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين..
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحبٍ ومعشر وعلى التابعين لهم بإحسانٍ ما بدأ الفجر وأنور وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد فيا عباد الله اتقوا الله عز وجل واقتدوا بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما أمركم الله به في قوله )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه)(آل عمران: من الآية31) وقال الله تعالى )لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) (الأحزاب:21) اقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في عباداتكم اقتدوا به في معاملاتكم اقتدوا به في دعوتكم إلى الله عز وجل اصبروا وصابروا ورابطوا ولا تجزعوا من ألقاب السوء التي قد تسمعونها من السفهاء فإن هذه الألقاب التي تسمعونها من السفهاء لا تزيدكم إلا ثواباً وأجراً ورفعةً عند الله عز وجل لأنكم تؤجرون على أمرين على الصبر في دعوة الخلق إلى الله وعلى الصبر على ما سمعتموه من الأذى بالقول وإن هذا أيها الأخوة لن يضركم شيئاً لا في دينكم ولا في دنياكم بل الذي ينبغي أن يزيدكم صلابةً وإقداماً في دعوة الخلق إلى شريعة الله عز وجل وأن تعلموا أن هذا الذي يتكلم بهذا السب أو القدح إنما تكلم لضيق صدره بما سمع من الحق فادعوا الله له بالهداية فإن الله على كل شيء قدير هذا الذي تكلم بالسب أو القدح أو العيب إنما تكلم لضيق صدره بما سمعه من الدعوة إلى الحق ولكن لعل الله أن يلقي في قلبه محبة الحق ومحبة الداعين اليه فيما بعد فإن الكلمة إذا صدرت بإخلاصٍ من العبد وإتباعٍ للحكمة فإنها لا بد أن تؤثر أما سمعتم قول موسى عليه الصلاة والسلام حين جمع فرعون له كل من كان يمكن جمعهم من السحرة ليقضي على ما جاء به موسى صلى الله عليه وسلم قال لهم موسى في ذلك الجمع العظيم ويلكم لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذابٍ وقد خاب من افترى فماذا كان لهذه الكلمة من التأثير استمع فتنازعوا أمرهم بينهم وإذا تنازع الناس أمرهم بينهم حلّ فيهم الفشل والتفرق وكانت النهاية أن هؤلاء السحرة الذين جاءوا ليقضوا على موسى صلى الله عليه وسلم وعلى ما جاء به كان هؤلاء السحرة هم أول المؤمنين به من آل فرعون حين قالوا معلنين إيمانهم آمنا برب هارون وموسى ولما توعّدهم فرعون بما توعّدهم به من الصلب على جذوع النخل قالوا له أقضي ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى فيا عباد الله انظروا إلى هذه القصة العظيمة كيف كانت العاقبة للداعين إلى الله على بصيرة وهكذا ستكون العاقبة للداعين إلى الله على بصيرة لأنهم إنما يدعون الناس ليقوم دين الله عز وجل ودين الله تعالى إذا دعي إليه بصدقٍ وإخلاص لا بد أن يكون هو الظاهر على كل شيء ولكني أدعو نفسي وإياكم إلى سلوك الحكمة في الدعوة وإلى تنزيل الناس منازلهم حتى يكون ذلك أدعى إلى القبول وألين للقلوب وأستمع أيها الأخ إلى قول الله عز وجل )وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33) )وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34) )وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35) وأعلموا أيها المسلمون أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم رزقني الله وإياكم إتباعه وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في الدين بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذّ شذّ في النار وأعلموا أن الله أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال جل من قائلٍ عليماٍ )إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) فسمعاً لك اللهم وطاعة اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد اللهم ارزقنا محبته وإتباعه ظاهراً وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم اسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم أجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين الشهداء والصالحين اللهم أرضى عن خلفائه الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي أفضل أتباع المرسلين اللهم أرضى عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين اللهم اجعلنا منهم بمنّك وكرمك يا رب العالمين اللهم أنصر عبادك المؤمنين اللهم أنصر المجاهدين في سبيلك بالعلم والبيان والسيف والسنان يا رب العالمين اللهم أنصر كل من جاهد في سبيلك لتكون كلمتك هي العليا يا رب العالمين اللهم أخذل جميع الكفرة والمشركين اللهم دمر اليهود وسلط عليهم وأجعل بأسهم بينهم يا رب العالمين اللهم إنا نسألك أن تقبل منا دعاءنا وأن تستجيب لنا تضرعنا يا رب العالمين اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. |