الحمد لله الذي بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في خير القرون وأختار له من الأصحاب أكمل الناس عقولاً وأقومهم ديانا وأغزرهم علماً وأشجعهم قلوبا أختار له قوماً جاهدوا في الله حق جهاده فأقام الله بهم الدين وأظهرهم على جميع العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والأخرين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليماً..
أما بعد
فيا عباد الله تعلّموا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يزداد به إيمانكم وتنشرح به صدروكم وتقوى به عزائمكم فإن المطالعة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تزيد الإنسان إيماناً بالله ومحبةً لله ورسوله ولأصحابه رضي الله عنهم وأستعينوا على ذلك بما كتبه أهل العلم الموثوق بعلمهم مثل البداية والنهاية للحافظ بن كثيرٍ رحمه الله فإنه من أصح الكتب التي صنفت في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين وما بعدها أيها المسلمون أعرفوا ما منّ الله به على نبيكم محمدٍ صلى الله عليه وسلم من الصحابة الكرام ذوي الفضائل العديدة والخصال الحميدة الذين نصر الله بهم الإسلام ونصرهم به وكان منهم الخلفاء الراشدون الأئمة المهديون الذين قاموا بالخلافة بعد نبيهم خير قيام فحافظوا على الدين وساسوا الأمة بالعدل والحزم والتمكين فكانت خلافتهم أفضل خلافةٍ في التاريخ في مستقبل الزمان وماضيه تشهد بذلك أفعالهم وتنطق به آثارهم وكان أجلهم قدراً وأعلاهم فخراً أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عثمان فما طلعت الشمس ولا غربت على أحدٍ بعد النبيين خيرٍ من أبي بكرٍ رضي الله عنه خلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بإشارةٍ من النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في صحيح البخاري أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأمرها أن ترجع إليه فقالت يا رسول الله أرأيت إن لم أجدك قال فأتي أبابكر وهمّ صلى الله عليه وسلم أن يكتب كتاباً لأبي بكر ثم قال ( يأبى الله والمسلمون إلا أبابكر) وفي روايةٍ (معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر) وخلّفه النبي صلى الله عليه وسلم على الناس في الصلاة والحج فقد أمر أن يصلي أبوبكرٍ بالناس حين مرض النبي صلى الله عليه وسلم وجعله أميراً على الناس في الحج سنة تسع من الهجرة وكل هذا إشارةٌ إلى أنه الخليفة من بعده ولو كان أحدٌ يستحق الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم سوى أبي بكر لخلّفه النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والحج كان أبوبكرٍ رضي الله عنه من سادات قريش وأشرافهم وأغنيائهم شهد له بن الدغنه سيد الغارة أمام أشراف قريش بما شهدت به خديجة للرسول صلى الله عليه وسلم حين قال له إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بادر رضي الله عنه إلى الإيمان به وتصديقه ولم يتردد حين دعاه إلى الإيمان ولازم النبي صلى الله عليه وسلم طول إقامته بمكة وصحبه في هجرته ولازمه في المدينة وشهد معه جميع الغزوات أسلم عليه يديه رضي الله عنه خمسةٌ من العشرة المبشرين بالجنة وهم عثمان بن عفان والزبير بن العوام وسعدٌ بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف وأشترى رضي الله عنه سبعةً من المسلمين يعذبهم الكفار بسبب إسلامهم فأعتقهم ومنهم بلالٌ مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعامر بن فهيرة الذي صحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبابكر في هجرتهما ليخدمهما وكان رضي الله عنه أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ومدلول كلامه وفحواه خطب النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته وقال (إن عبداً خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فأختار ما عند الله) ففهم أبو بكرٍ رضي الله عنه أن المخيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى فعجب الناس من بكائه لأنهم لم يفهموا ما فهم وكان رضي الله عنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس (إن أمنّ الناس عليّ في ماله وصحبته أبوبكر ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته) وجاء مرةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه كان بيني وبين إبن الخطاب شيء فاسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى فأقبلت إليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يغفر الله لك يا أبابكر يغفر الله لك يا أبابكر يغفر الله لك يا أبا بكر) ، ثم إن عمر رضي الله عنه ندم فأتى منزل أبي بكرٍ فسأل أثمّ أبو بكر؟ قالوا لا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتنعّر حتى أشفق أبوبكر أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر ما يكره فجسا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم والله أنا كنت أظلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبوبكرٍ صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي) مرتين فما أوذي بعدها رضي الله عنه وكان رضي الله عنه أثبت الصحابة عند النوازل والكوارث ففي صلح الحديبة لم يتحمل كثيرٌ من الصحابة الشروط التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش وكان من الشروط أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبة دون تكميل عمرته وأن من جاء من قريشٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم وإن كان مسلماً ومن جاء من المسلمين إلى قريش لم يردوه إلى المسلمين فشقّ ذلك على الصحابة رضي الله عنهم حتى إن عمر بن الخطاب راجع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري). فذهب عمر إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه فقال أبوبكر حين كلّمه أيها الرجل إنه لرسول الله وليس يعص ربه وهو ناصره فأستمسك بغرزه فو الله إنه على الحق ، فكان جواب أبي بكرٍ كجواب النبي صلى الله عليه وسلم سواءً بسواء وفي هذا دليلٌ على أن أبا بكرٍ رضي الله عنه أكمل الصحابة وأشدهم ثباتاً في مواطن الضيق ومما يشهد لذلك أنه لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أندهش المسلمون لهذه الحادثة حتى قام عمر رضي الله عنه وأنكر موته وقال والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، ولكن أبا بكرٍ رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فكشف عنه وجه فقبّله وقال بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتا ثم خرج إلى الناس فصعد المنبر فخطب الناس بقلبٍ ثابت وقال ألا من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت وتلا قوله تعالى )إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:30) )وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144) ولما أراد أن ينفذ جيش أسامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم راجعه عمر وغيره من الصحابة أن لا يسّير الجيش من أجل حاجتهم إليه في قتال أهل الردة ولكنه رضي الله عنه صمم على تنفيذه وقال والله لا أحلّ رايةً عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن الطير تخطّفنا ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرتدّ من أرتدّ من العرب ومنعوا الزكاة عزم على قتالهم فراجعه من راجعه في ذلك ولكنه رضي الله عنه صمم على قتالهم قال عمر فعرفت أن ذلك هو الحق وصفه عليٌ رضي الله عنه فقال: كنت أول القوم إسلاماً وأخلصهم إيمانا وأحسنهم صحبة وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هدياً وسمتا وأكرمهم عليه خلفته في دينه أحسن خلافة حين ارتدوا ولزمت منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت كالجبل لا تحركه العواصف ولا تزيله القواصف متواضعاً في نفسك عظيماً عند الله أقرب الناس عندك أطوعهم لله وأتقاهم. تولى أبو بكرٍ الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار في الناس سيرةً حميدة وبارك الله في مدة خلافته على قلتها فقد كانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وتسع ليالٍ فقط ومات رضي الله عنه ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء ليلة ثلاثٍ وعشرين من جمادى الثانية سنة ثلاثة عشرة من الهجرة وكان من بركته رضي الله عنه على هذه الأمة أن خلّف على المسلمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه جعله الخليفة من بعده وهذا من حسناته رضي الله عنهم جميعاً وعن جميع الصحابة وأسأله تعالى أن يشملنا وإياكم بقوله تعالى )وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100) اللهم تقبّل منا إنك أنت السميع العليم اللهم اجعلنا ممن أتبعهم بإحسانٍ يا رب العالمين اللهم أصلح لنا شؤوننا كلها وأنفعنا بما علمتنا إنك على كل شيء قدير أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر صلى الله عليه وعلى أله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ما أقبل النهار وأدبر وسلم تسليماً كثيرا ..
أما بعد فيا عباد الله أتقوا الله تعالى حق التقوى وأعلموا أن الله أمركم بأمورٍ يلزمكم أن تقوموا بها على حسب ما أمركم بها فمن ذلك صلاة الجماعة في المساجد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ثم أنطلق برجال معهم حزمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الجماعة أو قال لا يشهدون الصلاة فيحرّق عليهم بيوتهم بالنار) وهذا الحديث يدل دلالةً واضحة على أن صلاة الجماعة واجبة وأنه لا يجوز للإنسان أن يتخلّف عنها لأن النبي صلى الله عليه وسلم همّ أن يحرق بيوت المتخلفين عليهم بالنار ولا يمكن أن يهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العقوبة العظيمة إلا لترك واجب ولهذا كانت صلاة الجماعة ثقيلةً على المنافقين كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ( أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلموا ما فيهما لأتوهما ولو حبوا) أيها الأخ المسلم إذا رأيت من نفسك ثقل الصلاة عليك فأعلم أن في قلبك نفاقاً فعليك أن تعالج هذا المرض عليك أن تقوم بما أوجب الله عليك من الصلاة جماعةً في المساجد مع المسلمين أيها المسلمون إن الله تعالى إنما أوجب الصلاة جماعةً على المسلمين لما في ذلك من الائتلاف وتعليم الجاهل وتأليف قلوب المؤمنين بعضهم لبعض فإن الناس إذا تعارفوا تآلفوا وإذا اجتمعوا ولا سيما على عبادةٍ هي أفضل العبادات بعد الشهادتين إذا اجتمعوا على مثل ذلك كان في ذلك مظهرٌ عظيمٌ للمسلمين وقوةٌ وعزة فاتقوا الله عباد الله وقوموا بما أوجب الله عليكم ولقد شكى بعض الناس من صلاة الفجر حيث لا يشهدها الا القليل من أهل الأحياء أي من أهل الحارات وهذا أمرٌ ينذر بالخطر يخشى على المتخلفين الذين تثقل عليهم الصلاة في الجماعة يخشى عليهم أن يعم النفاق قلوبهم حتى يطبع عليها ويكونوا من الغافلين أيها المسلون أعلموا أن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثةٍ في دين الله بدعة وكل بدعةٍ ضلالة فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذّ شذّ في النار وأعلموا أن الله أمركم بأمر بدأه بنفسه فقال جل من قائلٍ عليما )إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56) اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد اللهم ارزقنا محبته وإتباعه ظاهراً وباطنا اللهم توفنا على ملته اللهم احشرنا في زمرته اللهم اسقنا من حوضه اللهم أدخلنا في شفاعته اللهم أجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين اللهم أرضى عن خلفائه الراشدين أبي بكرٍ وعمر وعثمان وعلي أفضل أتباع المرسلين اللهم أرضى عن الصحابة أجمعين وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين اللهم أرضى عنا معهم وأصلح أحوالنا كما أصلحت أحوالهم يا رب العالمين اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم اللهم أصلح للمسلمين ولاة أمورهم الله أصلح للمسلمين ولاة أمورهم صغيرهم وكبيرهم يا رب العالمين اللهم من كان من ولاة أمور المسلمين غير مستقيمٍ على شرعك ولا ناصحٍ لعبادك فاهديه إلى الحق أو أبدله بخير منه يا رب العالمين اللهم أصلح بطانة ولاة أمور المسلمين اللهم من كان من بطانتهم غير ناصحٍ لك ولا ناصحٍ لأمته ولا ناصحٍ لهم فأبعده عنهم وأبدلهم بخير منه يا رب العالمين ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون. |