إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له واشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ رسالة ربه وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى توفاه الله فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين …
أما بعد
أيها الناس اتقوا الله تعالى وأعلموا أن الله بحكمته ورحمته فرض عليكم فرائض فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا تعتدوها فرض عليكم تعظيم شعائره وحرماته (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ )(الحج: من الآية30) ألا وإن من شعائر الله مناسك الحج والعمرة (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)(البقرة: من الآية158) فعظموا هذه المناسك فإنها عبادة عظيمة ونوع من الجهاد في سبيل الله سألت عائشة أم المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم هل على النساء جهاد قال ( عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ) عظموا أيها المسلمون هذه المناسك فقوموا بما أوجب الله عليكم وابتعدوا عما حرم الله عليكم فإن الله يقول (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)(البقرة: من الآية197) قوموا بما أوجب الله عليكم من الطهارة والصلاة جماعة في أوقاتها والنصح للمسلمين وعظموا هذه المناسك بالإخلاص فيها لله تعالى والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم اجتنبوا ما حرم الله عليكم من المحرمات العامة من الفسوق بجميع أنواعه فاجتنبوا الكذب والغش والخيانة والغيبة والنميمة والاستهزاء بالمسلمين والسخرية منهم والأذية لهم واجتنبوا الإستماع إلى المعازف والأغاني المحرمة واجتنبوا التدخين في حال الإحرام وفي غير حال الإحرام فإن التدخين حرام لما فيه من ضرر الأبدان وضياع الأموال وهو منقص لنسك الإنسان إذا مارسه وهو محرم واجتنبوا ما حرم الله عليكم تحريماً خاصاً بسبب الإحرام وهي محظورات الإحرام فاجتنبوا الرفث وهو الجماع ومقدماته من اللمس والتقبيل والنظر بشهوة وتلذذ فالجماع أعظم محظورات الإحرام وأشدها تأثيراً من جامع في الحج قبل التحلل الأول فسد حجه ولزمه إنهاؤه ولزمه قضاؤه من العام المقبل ولزمه فدية ينحرها ويتصدق بها على الفقراء وهي بدنة يتصدق بها على الفقراء إذا ذبحها في مكة أو منى واجتنبوا الأخذ من شعر الرأس فإن الله يقول ( وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)(البقرة: من الآية196) وألحق جمهور العلماء شعر بقية البدن بشعر الرأس وقاسوا على ذلك إزالة الأظفار وقالوا لا يجوز للمحرم أن يأخذ شيئاً من شعره أو أظفاره إلا أن ينتثر ظفره فيؤذيه فله أن يأخذ ما يؤذيه فقط فمن حلق رأسه لعذر أو غيره فعليه فدية لقول الله تعالى (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )(البقرة: من الآية196) وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأن الصيام صيام ثلاثة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع والنسك شاة يذبحها ويتصدق بها على المساكين ويكون الإطعام والذبح في مكة أو في مكان فعل المحظور واجتنبوا قتل الصيد فإن الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ )(المائدة: من الآية95) سواء كان الصيد طائراً كالحمام أم سائراً كالظباء والأرانب فمن قتل صيداً متعمداً فعليه الجزاء وهو إما ذبح ما يماثله من الإبل والبقر والغنم فيذبحه ويتصدق به على المساكين في مكة أو منى وإما تقويمه بدراهم يتصدق بما يساويها من الطعام على المساكين في مكة أو منى لكل مسكين ربع صاع من البر أو نصفه من غيره وإما أن يصوم عن كل طعام مسكين يوما وأما قطع الشجر انتبهوا أيها الأخوة وأما قطع الشجر فلا تعلق له بالإحرام فيجوز للمحرم وغير المحرم أن يقطع الشجر إذا كان خارج أميال الحرم مثل عرفة ولا يجوز إذا كان داخل أميال الحرم أن يقطع شيئاً من الشجر أو الحشيش مثل أن يكون في مزدلفة ومنى ومكة إلا ما غرسه الآدمي بنفسه فله قطعه ويجوز للإنسان أن يدع البساط على الأرض في منى وفي مزدلفة وفي غيرهما من أرض الحرم ولو كان فيها حشيش أخضر إذا لم يقصد بذلك إتلاف ذلك الحشيش واجتنبوا عقد النكاح وخطبة النساء فإنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ) فلا يجوز للمحرم أن يتزوج سواء كان رجلاً أم امرأة ولا يجوز أن يزوج غيره ولا أن يخطب امرأة واجتنبوا الطيب بجميع أنواعه دهناً كان أم بخورا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تلبسوا ثوباً مسه الزعفران ) وقال في الرجل الذي مات بعرفة وهو محرم ( اغسلوه بماء وسدر ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا ) والحنوط هو الطيب الذي يجعل في قطن على بدن الميت بعد تغسيله فلا يجوز للمحرم أن يدهن بالطيب أو يتبخر به أو يضعه في أكله أو شرابه أو يتنظف بصابون مطيب ويجوز للمحرم أن يغتسل ويزيل ما لوثه من وسخ وأما التطيب عند عقد الإحرام قبل النية فهو سنة ولا يضر بقاؤه بعد عقد الإحرام فقد قالت عائشة رضي الله عنها كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم وقالت كأني أنظر إلى وضية المسك أي إلى بريق المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم واجتنبوا تغطية الرأس وهذا خاص بالرجل اجتنبوا تغطية الرأس بما يغطى به عادة ويلاصقه كالعمامة والغترة والطاقية فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي مات ( لا تخمروا رأسه ) أي لا تغطوه فأما ما لم تجري العادة بكونه غطاءً كالعفش يحمله المحرم على رأسه فلا بأس به وكذلك ما لا يلاصق الرأس كالشمسية ونحوها فلا بأس بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضلل بثوب في حجة الوداع قالت أم الحصين رضي الله عنها حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة ولأن المنهي عنه تغطية الرأس لا تظليله وتغطية الرأس حرام على الرجال فقط أما المرأة فيجوز أن تغطي رأسها وأما وجهها فالمشروع لها أن تكشفه إلا أن يراها الرجال غير محارمها فيجب عليها ستره ولا يجوز لها أن تلبس النقاب ولا البرقع واجتنبوا من اللباس ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سئل عما يلبس المحرم فقال ( لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنص ولا السراويل ولا الخفاف ) عدوها بارك الله فيكم لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرانص ولا السراويل ولا الخفاف هذه خمسة أنواع نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ( من لم يجد نعلين فليبس الخفين ومن لم يجد إزاراً فليبس السراويل ) وتحريم هذا اللباس خاص بالرجال فلا يجوز للرجل إذا أحرم أن يلبس القميص والقميص مثل ثيابنا هذه ولا ما كان بمعنى القميص كالفنيلة والصدرية أي الصيرية والكوت ولا يلبس العمامة ولا ما كان بمعناها كالغترة والطاقية ولا يلبس البرنص وهو ثوب يوصل بغطاء للرأس ولا ما كان بمعناه كالمشالح ولا يلبس السراويل سواء كان نازلاً عن الركبتين أم فوق الركبتين ولا يلبس الخفين ولا ما كان بمعناهما كالجوارب وهي الشراب ويجوز للرجل أن يلبس الساعة والخاتم ونظارة العين وسماعة الأذن وأن يعقد الإزار وأن يشبك الرداء إن احتاج إلى ذلك وإلا فالأولى أن لا يشبكه ولا يشبك الرداء بمشابك متواصلة وحين إذن يشبه القميص ويجوز للمرأة أن تلبس ما شاءت من الثياب المباحة لها قبل الإحرام غير متبرجة بزينة لأن النساء ليس لهن ثياب خاصة للإحرام ويحرم على المرأة وعلى الرجل أيضاً لبس القفازين وهما شراب اليدين ويحل للرجل والمرأة تغير ثياب الإحرام إلى ثياب أخرى يجوز لبسها سواء غيرها لوسخ أو نجاسة أو لغير ذلك وهنا أمر يجب التنبه له وهو أن بعض العوام يظنون أن المحرم على الرجال لبس ما فيه الخياطة وليس كذلك وإنما محرم أن يلبسوا الثياب التي يعتادون لبسها في غير الإحرام وأما ما فيه خياطة وهو يجوز لبسه فلا بأس به فيجوز للرجل أن يلبس رداءً مرقعاً وإزاراً مرقعاً وأن يلبس الكمر وأن يلبس النعال المخروزة وغير ذلك مما يجوز لبسه في الإحرام ولو كان فيه خياطة فانتبهوا أيها المسلمون انتبهوا لحدود الله عز وجل وافهموها وتعلموها من أهل العلم حتى تعبدوا الله على بصيرة اللهم إني أسألك في مقامي هذا أن توفقني وإخواني الحاضرين وجميع المسلمين لصالح الأعمال وأن تجنبنا جميعاً سئ الأعمال اللهم احمنا من التفريط والإهمال إنك جواد كريم واسع الفضل والنوال والحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين …
الحمد لله الذي خلق الجن والإنس ليعبدوه وشرع لهم ما تقتضيه حكمته ليجازيهم بما عملوه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله تعالى إلى الجن والإنس بشيراً ونذيرا وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيرا …
أما بعد فقد قال الله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات:56-58) والجن عالم غيبي خلقوا من نار وكان خلقهم قبل خلق الإنس كما قال الله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (الحجر:26-27) وهم مكلفون يوجه إليهم أمر الله ونهيه فمنهم المؤمن ومنهم الكافر ومنهم المطيع ومنهم العاصي قال الله تعالى عنهم (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً) (الجـن:16-15) وقال تعالى عنهم (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً) (الجـن:11) أي جماعات متفرقة وذو أهواء كما يكون ذلك في الإنس حتى قال بعض العلماء إن فيهم المعتزلة وفيهم الرافضة وفيهم أهل السنة كما كان ذلك في الإنس فالكافر منهم يدخل النار بالإجماع والمؤمن يدخل الجنة كالإنس قال الله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 46-47) والظلم بينهم وبين الإنس محرم كما هو بين الآدميين لقول الله تعالى في الحديث القدسي ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ) ومع هذا فإن الجن يعتدون على الإنس أحياناً كما يعتد الإنس عليهم أحياناً فمن عدوان الإنس على الجن أن يستجمر الإنسان بعظم أو روث فمن استجمر بعظم أو روث فقد اعتدى على حق الجن ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أن الجن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الزاد فقال ( لكم كل عظم ذكر إسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم ( فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن ) ومن عدوان الجن على الإنس أنهم يتسلطون على الإنس بالوسوسة التي يلقونها في قلوبهم ولهذا أمر الله تعالى بالتعوذ من ذلك فقال (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس:1-6) وتأمل تأمل كيف قال الله تعالى من الجنة والناس فبدأ بذكر الجن لأن وسوستهم أعظم ووصولهم إلى الإنسان أخفى فإن قلت كيف يصلون إلى صدور الناس فيوسوسون لهم فاستمع الجواب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لرجلين من الأنصار ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً ) أو قال شيئاً وفي رواية ( إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم ) ومعلوم أن الدم يجري في العروق حتى يصب في القلب ثم يخرج منه وهكذا الشياطين يجرون في ابن آدم مجرى الدم حتى يصلوا إلى قلبه يسلطهم الله عز وجل بحكمته التي اقتضت أن يكون ذلك ومن عدوان الجن على الإنس أن الجن يخيفون الإنس ويلقون في قلوبهم الرعب ولا سيما حين يلتجأ الإنس إليهم ويستجيرون بهم قال الله عز وجل (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) (الجـن:6) أي زادوهم خوفاً وإرهاباً وذعرا ومن عدوان الجن على الإنس أن الجني يصرع الإنسي فيطرحه يدعه يضطرب حتى يغمى عليه وربما قتله وربما قاده إلى ما فيه هلاكه من إلقاءه في حفرة أو في ماء يغرقه أو في نار تحرقه وقد شبه الله تعالى آكل الربا عند قيامهم من قبورهم بالمصروع الذي يتخبطه الشيطان قال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ)(البقرة: من الآية275) قال ابن جليل رحمه الله وهو إمام المفصلين بالأثر قال وهو الذي يتخبطه فيصرعه وقال ابن كثير لا يقومون إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له وقال البغوي يتخبطه الشيطان أي يصرعه ومعناه أن آكل الربا يبعث يوم القيامة كمثل المصروع وروى الإمام أحمد في مسنده في الجزء الرابع صفحة مائة وإحدى وسبعين ومائة وإثنتين وسبعين عن يعلا بن مرة رضي الله عنه أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها قد أصابه لمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب ما فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اخرج عدو الله فأنا رسول الله ) قال فبرأ الصبي فأهدت أمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كبشين وشيئاً من أقط وسمن فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الأقط والسمن وأحد الكبشين ورد عليها الآخر وإسناد هذا الحديث ثقاة وله طرق متعددة قال عنها ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية في الجزء السادس صفحة مائة وستين قال إنها جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلا ابن مرة حدث بهذه القصة في الجملة ثم ذكر رواية البيهقي نحوه من حديث جابر بن عبد الله وقال هذا إسناد جيد رواته ثقاة قال ابن القيم رحمه الله وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية البارزين قال في كتابه زاد المعاد في الجزء الرابع صفحة ست وستين قال الصرع صرعان صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية وصرع من الأخلاق الرديئة والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه وأما صرع الأرواح فأئمتهم فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع قال ابن القيم وأما جهلة الأطباء وسقطتهم وسفلتهم ومن يعتقد الزندقة فضيلة فأولئك ينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء وضعف عقولهم أيها الناس إن صرع الجن للإنس ليس بالأمر الذي يمكن إنكاره ولكن الذي ينبغي لنا أن ننظر كيف نتخلص من هذا النوع إن التخلص من هذا النوع إنه أمران وقاية وعلاج فأما الوقاية فتكون بقراءة الأوراد الشرعية من كتاب الله تعالى وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وباتقاء العدوان على الجن وبقوة النفس وعدم الجريان وراء الوساوس والتخيلات التي لا حقيقة لها فإن جريان الإنسان وراء الوساوس والأوهام يؤدي إلى أن تتعاظم هذه الأوهام والوساوس حتى تكون حقيقة وأما العلاج أعني علاج صرع الأرواح أي صرع الجن للإنس فقد اعترف كبار الأطباء أن الأدوية الطبيعية لا تؤثر فيه لأنه أمر وراء المادة وعلاجه بالدعاء والقراءة والموعظة وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعالج المصروع بقراءة آية الكرسي وقراءة المعوذتين وكثيراً ما يقرأ في أذن المصروع قول الله تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115) وقد أخبرني من يتعاطى القراءة على المصروعين وقال إني جربت هذه الآية أقرأها في أذن المصروع فيخرج بإذن الله قال تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وهو ابن القيم رحمه الله قال حدثني يعني شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قرأ مرة هذه الآية في أذن المصروع فقالت الروح يعني الجنية نعم ومد بها صوته قال فأخذت له عصاً وضربته بها في عروق عنقه حتى كلت يدي من الضرب وفي أثناء ذلك قالت أنا أحبه فقال لها شيخ الإسلام هو لا يحبك قالت أنا أريد أن أحج به فقال لها شيخ الإسلام هو لا يريد أن يحج معك قالت أنا أدعه كرامة للشيخ قال شيخ الإسلام لا ولكن دعيه طاعة لله ورسوله قالت فأنا أخرج فقعد المصروع بريئاً يلتفت يميناً وشمالا وقال ما جاء بي إلى حضرة الشيخ وقال ابن مفلح في كتاب الفروع وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية قال كان شيخنا إذا أتي بالمصروع وعظ من صرع وأمره ونهاه فإن انتهى وفارق المصروع أخذ عليه العهد أن لا يعود وإن لم يأتمر ولم ينته ولم يفارقه ضربه حتى يفارقه والضرب في الظاهر على المصروع وإنما يقع في الحقيقة على من صرعه وأرسل الإمام أحمد إلى مصروع ففارقه الصارع فلما مات الإمام أحمد عاد الصارع إلى المصروع أيها الأخوة بهذا تبين أن صرع الجن للإنس ثابت بمقتضى دلالة الكتاب والسنة والواقع ولولا ما أثير حول هذه المسألة من بلبلة وجدال أدى إلى جعل كتاب الله تعالى دالاً على معاني تخيلية لا حقيقة لها ولولا أن إنكار هذا يستلزم تسفيه أئمتنا وعلمائنا من أهل السنة أو تكذيبهم أقول لولا هذا وهذا ما تكلمت في هذه المسألة لأنها من الأمور المعلومة بالحس والمشاهدة وما كان معلوماً بالحس والمشاهدة لا يحتاج إلى دليل لأنه من المعلوم لكل عاقل أن الأمور الحسية دليل بنفسها لا تحتاج إلى دليل بل هي تدل على غيرها وإنكار الأمور المعلومة بالحس مكابرة أو سفسطة فلا تخدعوا أنفسكم أيها المسلمون ولا تتعجلوا في نفي الشئ حتى يتبين لكم الأمر تماماً وقد ذكر أهل السنة أن الذين ينكرون صرع الجن للإنس إنما هم المعتزلة لأنهم غالباً يقدمون الأمور العقلية على الأمور النقلية وأما من تأمل الكتاب والسنة وتأمل ما يشهد به الواقع فإنه لا يرتاب أبداً أن هذا أمر واقع ولكن عليكم أيها الأخوة أن تستعيذوا بالله عز وجل من شر خلقه من الجن والإنس دائماً وأبداً وأن تستعملوا الأوراد الصحيحة من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه أيها الأخوة وقبل مفارقتي هذا الموقف أود أن أذكر إخواني أنه حين حل موسم الحراج على النخل أي على ثمرته فإنه يجب علينا ونحن نؤمن بالله ورسوله أن نتمشى في معاملاتنا على ما سنه وشرعه لنا إمامنا وقدوتنا ورسول الله إلينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وبدو صلاحها أن تحمر أو تصفر فلا يجوز لأحد أن يبيع النخل قبل أن يصفر و يحمر وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا باع على أخيه ثمراً فأصابته جائحة من يبس النخل أو غيره مما لا صنع للآدمي فيه فإنه لا يحل له أن يأخذ منه شيئا قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بما تأخذ مال أخيك بغير حق ) وقد بلغني أن أناساً يغلبهم الشح والطمع حتى ينسيهم أوامر الله ورسوله يشترطون على المشتري أنه إذا حدث بها جائحة فإنه لا يرجع عليهم وهذا شرط باطل مخالف لحكم الله ورسوله مردود على صاحبه مضروب به وجهه لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط ) فلا يغلبكم الشح على أن تخالفوا أوامر الله ورسوله وتعدوا حدوده فإنكم ميتون ومسؤولون عما بعث الله به رسوله إليكم يقول الله عز وجل (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ *فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ) (القصص:65-66) فمن باع على أخيه ثمراً فأصابته جائحة فإنه مردود عليه إما أن يقوم النقص ويبقى الثمر للمشتري وإما أن ترد الثمرة كلها والخيار في ذلك للمشتري إلا إذا أشترط عليه عند العقد أنه إذا حصلت الجائحة فإنها تثمن ولا يردها وصبر بذلك الشرط فإن هذا لا بأس به أما إذا كان الشرط موجوداً حين البيع وقد رضي به المشتري فإنه هو الذي أسقط حقه فلا حق له في الرد حين إذن لأنه دخل على بصيرة وعلى علم وزيادة العيب بعد ذلك تكون أمراً متوقعاً من قبل وقد رضي به وعلى هذا فلا يكون له الرد ولا التثمين عباد الله أيها الأخوة أيها المؤمنون إنما خلقتم في الدنيا لعبادة الله وإن المال الذي خولكم الله لم يخولكم الله إياه إلا لتتمتعوا به على الوجه الذي يرضاه عز وجل لا على الوجه المخالف لأمره وأعلموا أنكم سوف تتركون هذا المال وأقرأو قول الله عز وجل (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ )(الأنعام: من الآية94) فكل ما خولكم الله من المال سوف تتركونه خلف ظهوركم فيا إخوتي يا عباد الله لا تكتسبوا المال بغير ما شرع الله لكم لا تكتسبوه بالطريق المحرم فتندموا حين لا ينفع الندم (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المؤمنين الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله قالوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا اللهم قنا شح أنفسنا اللهم اجعلنا مالنا عوناً لنا على طاعتك يا رب العالمين والحمد لله رب العالمين رب السماوات ورب الأرض وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … |