الحمد لله نستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيرا …
أما بعد
فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من مواطن الخيرات وما حباكم به من الفضائل والكرامات وعظموا هذه المواسم واقدروها قدرها بفعل الطاعات واجتناب المعاصي والموبيقات فإن تلك المواسم ما جعلت إلا لتكفير سيئاتكم وزيادة حسناتكم ورفعة درجاتكم فضلاً من الله ونعمة (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58) عباد الله لقد استقبلتم شهراً كريما وموسماً رابحاً عظيما ذلك لمن وفقه الله فيه بالعمل الصالح استقبلتم شهر رمضان الذي نزل فيه القرآن شهراً تضاعف فيه الحسنات وتخرج فيه السيئات روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ) جعل الله صيام هذه فريضة من أركان إسلامكم وقيام ليله تطوعاً لتكميل فرائضكم ( من صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ومن أتى فيه بعمرة كان كمن أتى بحجة فيه تفتح أبواب الجنة وتكثر الطاعات من أهل الإيمان وتغلق أبواب النار فتقل المعاصي من أهل الإيمان وتغل الشياطين فلا يخلطون إلى أهل الإيمان بمثل ما يخلطون إليهم في غيره أيها الناس صوموا لرؤية هلال رمضان ولا تقدموا عليه بصوم يوم أو يومين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك إلا من كان عليه قضاء من رمضان الماضي أو من كان له عادة بصوم فليصمه فمن كانت عادته أن يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وصادف ذلك بيوم أو يومين أو كان له عادة بصيام أيام البيض ففاتته فصامها قبل رمضان بيوم أو يومين فليس عليه بأس في ذلك ولا تصوموا يوم الفطر وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في ليلته ما يمنع رؤية الهلال من غيم أو قطر أو نحوهما ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين ) ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ) وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه من صوم اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ومن رأى الهلال يقيناً فليخبر به ولاة الأمور ولا يكتمه وقد جاءنا من الجهات المسؤولة أن لديهم اثباتا يتراءى الناس فيها الهلال فإن لم يراه ليلة الثلاثاء فليترأوه ليلة الأربعاء فمن راءه فليخبر به المحكمة التي عنده وإذا أعلن في إذاعتكم ثبوت دخول رمضان فصوموا وإذا زعم فيها ثبوت دخول شوال فأفطروا لأن إعلان ولاة الأمور ذلك حكم به جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه رأى الهلال فقال ( أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ) قال نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( فأذن بالناس يا بلال أن يصوموا غداً ) وصوم رمضان أحد أركان الإسلام فرضه الله على عباده فمن أنكر فرضيته كان كافراً لأنه مكذب لله ورسوله وإن مات قال الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(البقرة: من الآية185) والصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم غير الحائض والنفساء فلا يجوز الصوم على كافر ومن المعلوم أنه لم يصوم رجل نصراني أو يهودي أو بوذي أو غيره من أهل الكفر ولكن قد يصوم من الناس من لا يصلي ومن لا يصلي إذا صام فصومه مردود عليه غير مقبول منه لأن من لم يصلي كان كافر مرتد والكافر مرتد لا تقبل منه أي عباده قال الله عز وجل (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً) (الفرقان:23) ولكن لو أسلم في نهار رمضان وعاد إلى دينه وقام يصلي فإنه لا يلزمه قضاء ما مضى منه ولو أسلم في أثناء يوم من رمضان أمسك بقية اليوم ولم يلزمه قضاءه ولا يجوز الصوم على صغير إن لم يبلغ لكن أن كان لا يشق عليه الصوم أمر به ليعتاده فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يصومون أولادهم حتى إن ( الصوت سئ ) ويحصل بلوغ الصغير إن كان ذكراً بواحد من أمور ثلاثة أحدها أن يتم له خمسة عشرة سنة والثانية أن تنبت عانته والثالث أن يخرج منه المني باحتلام أو غيره والأنثى أمر وهو الحيض فمتى حصل للصغير واحد من هذه الأمور فقد بلغ ولزمته فرائض الله وغيرها ولزمه الصوم وغيره من فرائض الله إذا كان عاقلاً وها هنا مسألة أحب أن أنبهكم عليها وهي أن بعض النساء تبلغ وهي صغيرة السن فلا تصوم ظناً منها أنه لا يجب عليها الصوم في هذه الحال ومن النساء من تبلغ وهي صغيرة وتصوم مع أهلها جميع الشهر حتى أيام الحيض لأنها تخجل أن تخبرهم بأنها تحيض وهي صغيرة فالمرأة الأولى التي لم تصم يجب عليها أن تقضي الشهر الذي كان عليها بعد ان حاضت والمرأة الثانية التي كانت تصوم أيام الحيض يجب عليها أن تقضي أيام الحيض ولا يجب الصوم على من لا عقل له كالمجنون والمعتوه ومن زال عقله بحادث أو كبر وعلى هذا فالكبير المهزي لا يلزمه الصوم والاطعام عنه لأنه فاقد التميز فهو بمنزلة الطفل قبل تميزه فلا يجب عليه صوم ولا صلاة ولا طهاره وإنما تجب عليه الزكاة لأنها تجب في المهد ولا يجب الصوم على من يعجز عنه عجزاً دائما كالكبير والمريض ولكن يطعم بدلاً عن الصيام عن كل يوم مسكيناً بعدد أيام الشهر لكل مسكين خمس صاع من البر أي أن الصاع الموجود الآن يكفي لخمسة فقراء عن خمسة أيام وإن أخرج عن ذلك براً فلا بأس ومقداره كيلو من الأرز ثمانية عشر كيلو لكل الشهر والأحسن أن يجعل مع الطعام شئ يقسمه من لحم أو بر وأما المريض بمرض يرجى برءه فإن كان الصوم لا يشق عليه ولا يضره وجب عليه أن يصوم لأنه لا ضر له وإن كان الصوم يشق عليه ولا يضره فإنه يفطر ويكره له أن يصوم وعليه أن يقضي أياماً أخر وإن كان الصوم يضره فإنه يحرم عليه أن يصوم ومتى برئ من مرضه قضى ما أفطر فإن مات قبل برءه فلا شئ عليه والمرأة الحامل التي يشق عليها الصوم لظهرها أو ثقل حملها يجوز لها أن تفطر ثم تقضي إن تيسر لها القضاء قبل وضع الحمل أو بعده إذا طهرت من النفاس والمرضع التي يشق عليها الصوم من أجل الرضاع أو ينقص لبنها من الصوم لتربية الولد تفطر ثم تقضي في أيام لا مشقة فيها عليها والمسافر إن قصد بسفره التحيل على الفطر فالفطر حرام عليه ويجب عليه الصوم وإن لم يقصد بسفره التحيل على الفطر فهو مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويقضي عدد الأيام التي أفطر والأفضل له أن يفعل الأسهل عليه فإن تساوى عنده الصوم والفطر فالصوم أفضل لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولأنه أشرع في إبراء ذمته وأخص من القضاء غالباً وإن كان الصوم يشق عليه بسبب السفر كره له أن يصوم وإن عظمت المشقة في ذلك حرم أن يصوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام فقيل له إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد صلاة العصر فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب والناس ينظرون فصلوات الله وسلامه عليه أفطر بعد العصر والغروب قريب ليعلم الناس أن الدين يسر فأنه لم يشاد فى الدين أحداً إلا غلبه فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أفطر والناس ينظرون إليه قيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال ( أولئك العصاه أولئك العصاه ) أيها المسلمون إن بعض الناس يسافرن إلى مكة لعمرة في أيام رمضان فإذا وصل إلى مكة بقي متردداً هل يفطر لأجل أن يؤدي العمرة .... من حين أن يقدم مكة أو ..... حتى تغيب الشمس أو يبقى صائماً ويؤدي العمرة مع المشقة يتردد بين حال الأمور الثلاثة ونحن نقول إن الدين والحكم لله والرسول في هذا إن الأفضل لك أن تفطر وتؤدي العمرة فور وصولك إلى مكة ولا تؤخرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبادر إذا دخل مكة معتمراً حتى إنه صلى الله عليه وسلم يذهب إلى المسجد فوراً ..... ناقته عند المسجد ثم يدخل ..... إلى ما بعد الغروب لأن تقديمها والمبادرة بها أفضل ولكن أفطر وكل واشرب حتى تكون نشيطاً على أداء العمرة وإن بعض الناس لحبهم على الخير يقولون نحن لا نحب أن نفطر في مكة لأن مكة أفضل بلاد الله عز وجل ورمضان الصيام فيه واجب إلا لمن استثنى الله فأنا أحب أن أبقى على صيامي مع المشقة ونحن نقول له نقول لهذا الحريص على الخير إن الحرص على الخير إنما يكون باتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هل أحد من الناس يشك أن أحداً أعظم بما يرضى الله وبما هو أحب إلى الله من رسول الله هل تعلمون أحداً أحب إليه ما يرضي الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بما يرضي الله وهو أحوط الناس على فعل ما يحبه الله وهو أتقى الناس في دين الله فاستمع إليه حين قدم مكة عام الفتح قدمها صلى الله عليه وسلم وفتحها في يوم الجمعة في اليوم العشرين من رمضان في السنة الثامنة من الهجرة إذن فتحها وهو مستقبل للعشر الأوخار من رمضان وهي أفضل رمضان .... النبي صلى الله عليه وسلم العشرة في مكة لا فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في مكة عام الفتح تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة ولم يصم بقية الشهر فلم يصم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة مع أنه قدم في العشر الأواخر من رمضان وهي أفضل الشهر فهل نحن أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لماذا نشق على أنفسنا حتى نصوم ونؤدي العمرة في تعب عظيم حتى إن بعض الناس قد يغمى عليه من التعب وهو يقول لا أفطر في مكة ..... وهذا من جهله بالشريعة وإلا فإني أعتقد أن المؤمن إذا علم أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر وأن النبي صلى الله عليه وسلم ...... المرء من الفطر أو الصيام في سفره فسوف يختار ما اختاره النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس إن المسافر يجوز له الصوم والفطر ولا فرق في المسافر بين أن يكون سفره عارضاً لحاجة أو مستمراً في غالب الأحيان مثل أصحاب السيارات الأجرة التكاسي وأصحاب السيارات الكبيرة التي يحملونها فإن هؤلاء متى خرجوا من بلدهم فهم مسافرون يجوز لهم ما يجوز للمسافرين الآخرين من الفطر في رمضان وقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين والجمع بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء عند الحاجة والفطر وكذلك المسح على الجوربين ثلاثة أيام والفطر لهؤلاء أفضل من الصيام إذا كان لهم ويقضونه بأيام الشتاء لأن أصحاب هذه السيارات لهم بلد ينتمون إليها وأهل فيها يأوون إليهم فمتى كانوا في بلدهم فهم مقيمون وإذا خرجوا منها فهم مسافرون لهم ما للمسافرين وعليهم ما على المسافرين ومن سافر في أثناء اليوم في رمضان وهو صائم فله أن يصوم أي يستمر في صومه وله أن يفطر والأفضل أن يبقى صائماً ولا يتقيد السفر بزمن فمن خرج من بلده مسافراً فهو على سفر حتى يرجع إلى بلده ولو أقام مدة طويلة في البلد الذي سافر إليها إلا أن يقصد بتطويل مدة الإقامة التحيل على الفطر فإنه يحرم عليه الفطر ويجوز الصوم لأن فرائض الله لا تقبل التحيل عليها ولا يجوز الصوم على الحائض والنفساء ولا يصوم منهما إلا إذا طهرتا قبل الفجر ولو بلحظة فيجب عليهما الصيام ويصح منهما وإن لم تغتسلا إلا بعد طلوع الفجر ويلزمهما قضاء ما أفطرتا من الصيام أسأل الله تعالى لي ولكم أن يجعلنا من المستقيمين على طاعة الله العاملين بما يرضي الله وأن يجعلنا ممن يصوم رمضان ويقومه إيماناً واحتسابا وأن يوفقنا فيه لطاعته وأن يختم لنا ولكم بالخير وأحسن الفلاح إنه جواد كريم والشكر لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين …
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه خير صحب ومعشر وعلى التابعين لهم بإحسان ما بدى الفجر وأنور وسلم تسليماً كثيراً …
أما بعد
أيها المسلمون فإنكم تستقبلون شهر رمضان تستعدون فيه لطاعة الله لصيام أيامه وقيام لياليه وإن الحكمة من الصيام طاعة الله عز وجل فمن لم يطع الله ورسوله في أيام صومه فإن صومه ناقص لفقدان الحكمة التي من أجلها شرع الصوم قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) وإن بعض الناس يصوم عما أحل الله له من الطيبات من الطعام والشراب والنكاح ولكنه يبقى مستمراً على ما حرم الله عليه من المعاصي بعض الناس يصوم عن الأكل والشرب والنكاح وما يفطر الصائم ولكنه لا يزال مستمراً في غيبة الناس وفي الكذب وفي الغش في البيع والشراء وفي ظلم الخلق وفي الربا وفي التحايل على الربا وفي كل ما حرم الله حتى إنه ليصوم ولا يصلي والعياذ بالله يصوم ولا يصلي إما أنه يؤخر الصلاة عن وقتها وإما إنه يؤخرها عن الجماعة مع وجوبها عليه وكل هذا أمر يخالف ما شرع الصيام من أجله كما سمعتم من القرآن الكريم والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الناس تربوا على ما يهدف إليه الشرع من هذه الحكمة العظيمة وهي تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه لو أن الناس تربوا على ذلك طيلة الشهر كله لرأيت من أحوالهم تغيراً من الفساد إلى الصلاح ومن المعاصي إلى طاعة الله ولكن الناس يصومون وكأن الله تعالى أراد أن يعذبهم بالصوم ليمنعهم من الطعام والشراب وهم يستحلون ما حرم الله عليهم من المعاصي فاتقوا الله عباد الله واجتنبوا ما حرم الله عليكم في أيام صومكم حتى يكون صومكم تاماً قد تحققت فيه الحكمة التي من أجلها شرعه الله وأوجبه عليكم وإنني بهذه المناسبة أزف نصيحة إلى الذين ابتلاهم الله بشرب الدخان الذي فيه أضرار أبدانهم وإتلاف أموالهم وفساد أسنانهم إلى غير ذلك مما لا يمكن أن نذكره هنا لطوله من مضار هذا التدخين إني لأزف إليهم النصيحة لعلهم يقلعون عنه في هذا الشهر لأنهم في النهار لن يشربوه وفي الليل لعلهم يتعللون عنه بفعل ما أباح الله لهم من الطعام والشراب والتلهي بالأمور ولو بالنوم فإذا مضى شهر كامل وهم لم يشربوه فإن ذلك من أقرب الوسائل إلى إقلاعهم عنه وسيجدون بعد إقلاعهم عنه طاعة لله عز وجل واجتناباً لمحارمه سيجدون في قلوبهم نوراً وسيجدون في نفوسهم رغبة بطاعة الله عز وجل وسيجدون في أبدانهم صحة وقوة فليجربوا ما دام الأمر متاحاً لهم فيه الفرصة أيها الأخوة لقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وإن صلاة التراويح التي نصليها ونسميها صلاة التراويح هي قيام رمضان ولكنها سميت التراويح لأن السلف الصالح رضي الله عنهم كانوا يقومونها فيصلون أربعاً طويلة ثم يستريحون ثم يصلون أربعاً طويلة ثم يستريحون ثم يصلون ثلاثاً اقتداءاً برسول الله صلى الله عليه وسلم سئلت عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فقالت ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاث فتلك إحدى عشرة ركعة وصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رواه مالك في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد أنه أمر تميماً الداري وأبي ابن كعب أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة فبهذا ثبت أن العدد الأفضل في التراويح أن يكون إحدى عشرة ركعة لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمر الخليفة الراشة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذا هو اللائق به رضي الله عنه أن يكون ما يتبعه موافقاً لما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما ما روي أن الناس يصلون في عهده ثلاثاً وعشرين ركعة فإنه منقطع وهو لم ينسب إلى عمر نفسه وإنما نسب إلى عهده رضي الله عنه وفرق بين ما ينسب إلى الشخص نفسه وبين ما ينسب إلى عهده لأن ما ينسب إلى عهده ليس بحجة إلا إذا نسب الأمر إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك للفرق العظيم بين عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد غيره لأن ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأقره الله فهو من شريعة الله إذا كان عبادة وأما ما فعل في عهد غيره فإن هذا الغير يجوز أنه قد سمع به فأقره ويجوز أنه لم يسمع به وليس هناك وحي نعلم أن الله أقر ذلك أيها المسلمون ومع قولنا إن الأفضل في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة فإنه لا حرج أن يجعلها ثلاث عشرة ركعة لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم من الليل بثلاث عشرة ركعة كما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ومع هذا أيضاً فإننا لا ننكر على من صلى ثلاثاً وعشرين ركعة لأن هذا قد ورد عن بعض السلف رضي الله عنهم والأمر في هذا واسع ولله الحمد لكننا ننكر غاية الإنكار ما يفعله بعض الأئمة نسأل الله لنا ولهم الهداية وأن يعيننا على أداء الأمانة ما يفعله بعض الأئمة من التلاعب بهذه الصلاة أي بصلاة التراويح حيث يسرعون بها إسراعاً يخل بالطمأنينة أو إسراعاً يمنع فعل بعض المأمومين ما يسن بل قد يمنع بعض المأمومين فعل ما يجب وهذا بلا شك خلاف الأمانة التي حملوها لأنهم حملوا أن يقوموا للناس بما يرونه أكمل وأفضل فإن الإنسان الذي يصلي إماماً بالناس ليس كالإنسان الذي يصلي لنفسه الذي يصلي لنفسه لا حرج عليه أن يطيل ما شاء ولا حرج عليه أن يخفف ما شاء إذا كان لم يخل بشئ واجب وأما من يصلي بالناس فإن عليه أن يتبع على الأقل ما يكون فيه أكمل المستحب أيها الأخوة وأما من يصلي بالناس إماماً فإنه يجب عليه أن يراعي فيهم السنة فيفعل أدنى ما يكون من الكمال أما أن يخل بأدنى ما يكون من الكمال أو يخل بالواجب فهذا خلاف الأمانة وأخشى أن يكون معذباً عند الله يوم القيامة لأنه خان أمانته حيث أجبر عباد الله على أن يأتوا بهذه الصلوات التراويح وهم لا يطمئنون بها فنسأل الله لنا ولهم الهداية وإن من المهم أن يعلم الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع فليقل أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ) هذه الأمور الأربعة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منها أظن كثيراً من الذين يصلون بالناس التراويح لا يفعلونها بل ربما يقتصر بعضهم على قوله بعد التشهد الأول اللهم صلي على محمد ثم يسلم كأن خيلاً قد لحقته تريد أن تقتله إذا لم يسرع في صلاة التراويح ولقد كان بعض السلف إذا صلى أحد من الناس ولم يقل أعوذ بالله من عذاب جهنم يأمره أن يعيد الصلاة كما روى ذلك مسلم عن طاوس أنه أمر ابنه حيث لم يتعوذ بالله من هذه الأربع أمره أن يعيد الصلاة وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد أن التعوذ من هذه الأربع واجب وهذا هو ظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع ) فلا تسلموا لا من فريضة ولا من نافلة حتى تتعوذوا من هذه الأربع امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله أمرنا بطاعة الله وطاعة رسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: من الآية59) أيها الأخوة وإن من نعمة الله علينا في بلادنا هذه أن كثيراً من الأئمة بل أكثرهم ولله الحمد لا يرفعون الصلاة فوق المناير ولا يشوشون على من حولهم من المسلمين في البيوت أو المساجد فتجد الإنسان يفتح مكبر الصوت على داخل المسجد فقط ولا يسمع من المنارة وهذا عمل يشكرون عليه ويحمدون عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه فيما رواه مالك وأبو داود من حديث البياضي وحديث أبي سعيد الخضري رضي الله عنهما أنه نهى أن يجهر الناس بعضهم على بعض في القرآن وفي لفظ في الصلاة وقال ( لا يؤذين بعضكم بعضا ) فنهى النبي صلى الله عليه وسلم ان يجهر الناس بعضهم على بعض وبين أن ذلك من الأذية فقال ( لا يؤذين بعضكم بعضا ) وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وأخبر أنه من الأذية فإن الله يقول (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58) والذي يتبين لي من الأدلة أنه إذا كان في رفع الصوت من المنارة أذية على من حوله من المساجد والمصلين أن ذلك حرام عليه لأنه يفسد على الناس صلاتهم بتشويشه عليهم وعلى هذا فإننا نشكر الله أن وفق أئمة بلدنا هذا لتجنب هذا الأمر الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وإننا نريد من إخواننا في غير هذه البلاد أن يمتثلوا وأن يتركوا ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة لله ورسوله واتقاءاً لأذية من حولهم من المصلين ومن في البيوت سواء كانوا في المساجد أو في البيوت فإن من كان قريباً من المسجد إذا سمع هذا الصوت العالي من المنارة وهو يصلي فإنه لا يدري ماذا يقول ومع ذلك فإن رفع الصلاة من المناير لا خير فيه أبداً ولا فائدة منه إطلاقاً لأن الإنسان لا يصلي لمن كان خارج المسجد وإنما يصلي بمن كان داخل المسجد فلا فائدة منه وفيه المضرة وهي الوقوع فيما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المعلوم أنه لا خيار لأحد من المؤمنين مع وجود النص من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا وجدنا حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر لم يكن لنا إن كنا مؤمنين لم يكن لنا الخيرة من ذلك ولم يكن لنا بد من تنفيذه كما قال الله عز وجل (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) (الأحزاب:36) أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن قدموا هداهم على هواهم وأسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه وأسأله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يغتنمون مواسم الخيرات ويتقون الله فيها ويقومون بالطاعات وأسأله تعالى أن يجعلنا من خير الناس الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويأتون الزكاة ويخشون الله ولا يخشون أحداً إلا الله اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً يا رب العالمين اللهم اصلح لنا جميع شئوننا اللهم أصلح ولاة أمورنا اللهم أصلح شبابنا وكهولنا وشيوخنا وذكورنا وإناثنا يا رب العالمين ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا اللهم تقبل منا اللهم تقبل منا اللهم تقبل منا يا رب العالمين ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذي سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزيدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون … |