الحمد لله ذي الفضل العظيم والخير الواسع العميم أنعم على عباده بنعم لا تحصى ودفع عنهم من النقم ما لا يعد ولا يستقصى وتفضل عليهم بالعمل الصالح وجزاهم عليه أفضل الجزاء وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلي الأعلى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي وصل بفضل ربه إلى أعلى مكان يصله الوراء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهداهم اهتدى وسلم تسليماً …
أما بعد
أيها الناس أتقوا الله تعالى وتعرفوا إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة تعرفوا إليه بالقيام بطاعته رغبة في ثوابه وبالابتعاد عن معصيته خوفاً من عقابه إن رخاء العيش وطيب الحال من النعم التي تستوجب الشكر على العباد إنه يوجب على العبد القيام بطاعة المنعم الجواد إن الإنسان في حال الرخاء في حال الصحة في حال الصبا في حال الأمن يستطيع أن يعمل ما لا يمكنه القيام به في حال الشدة لأنه معافاً في بدنه آمن في بلده مترف في جسده ولكن هذه الأحوال أيها الأخوة لا تدوم هذه الأحوال إذا شكرها العبد إزدادت ونمت وصارت سبباً لقربه من الله عز وجل أما إذا كفرها الإنسان ولم يقم بطاعة المنعم المنان فإنه قد يعقبها شدة فيصبح مريضاً بعد العافية وخائفاً بعد الأمن وجائعاً بعد الشبع والترف فإذا كان العبد متعرفاً إلى ربه في حال الرخاء عرفه الله في حال الشدة فلطف به وأعانه على شدائده ويسر أموره واسمعوا قول ربكم جل ذكره (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )(الطلاق: من الآية2-3) (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)(الطلاق: من الآية4) ولقد ضرب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لنا مثلاً على ذلك فيما قصه علينا من نبأ ثلاثة قبلنا انطلقوا فآواهم المبيت إلى غار فدخلوا في الغار ليبيتوا فيه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت الغار عليهم فقال بعضهم لبعض إنه لا يأتيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال أحدهم اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أملك قبلهما أهلاً ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوماً فلم أرد عليهما حتى ناما فحلفت لهما غفوقهما فوجتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أحداً فلبست والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى طلع الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي حتى استيقظا فشربا غفوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة قليلاً وقال الثاني اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكنت أحبها فأتت بما يحب الرجال النساء فأردتها على نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين أي احتاجت فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخبي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وانطلقت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة إلا أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك أجره وذهب فثمرت له أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدي ألي أجري فقلت له كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو لك فهو لك من أجلك فقال يا عبد الله لا تستهزئ بي فقلت إني لا استهزأ بك فأخذه كله واشتاقه ولم يترك منه شيئا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون فالأول من هؤلاء ضرب مثلاً عظيماً في البر بوالديه بقي طوال الليل والإناء على يده لم تطب نفسه أن يشرب منه ولا أن يسقي أولاده وأهله ولا أن ينقص على والديه نومهما حتى طلع الفجر وأما الثاني فضرب مثلاً بالغاً في العفة الكاملة حيث تمكن من حصول مراده من هذه المرأة التي هي أحب الناس إليه ولكن ولكن لما ذكرته بالله عز وجل تركها خوفاً من الله وتقواً له وهي أحب الناس إليه ولم يأخذ شيئاً مما أعطاها وأما الثالث فضرب مثلاً في غاية الأمانة والنصح حيث نمى للأجير أجره فبلغ ما بلغ وسلمه إلى صاحبه ولم يأخذ على عمله شيئا فكان من جزاء هذه الأعمال الصالحة التي تعرفوا بها إلى الله في حال الرخاء أن الله عرفهم في حال الشدة فأنقذهم من الهلاك وهذه أيها المسلمون المؤمنون هذه سنة الله في خلقه إلى يوم القيامة من تعرف إلى ربه حال الرخاء عرفه في حال الشدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) أيها الناس إن الشدائد أنواع منوعة وإن أعظم شدة يقع الإنسان فيها ما يكون من شدة الموت عند فراق المألوف واستقبال المخوف فإذا كان الإنسان في سياق الموت وهو ممن يتعرف إلى الله في حال الصحة والحياة عرفه الله سبحانه في حال شدته عند وفاته فهون الأمر عليه وأحسن له الخاتمة وانتقل من الدنيا على أحسن حال ( إن الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (النحل:32) وأما إن كان الإنسان معرضاً عن الله لم يزده الرخاء إلا بطراً وبعداً عن الله فحري بأن يصله الله إلى نفسه ويتخلى عنه حال شدائده فتحيط به سيئاته ويموت على أسوأ حال وأخبث مآل فاتقوا الله عباد الله إنكم اليوم والله الحمد في حال أمن وفي حال رخاء وفي حال صحة وإنكم تتمكنون من القيام بحق ربكم وعبادته ولكن إن أنتم فعلتم ذلك أنقظكم الله من الشدائد وإن أنتم أعرضتم عن الله في هذه الحال أي في حال الرخاء فإنه يوشك أن لا تنتفعوا بما عند الله عز وجل واسمعوا قول الله تعالى (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُون * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (الزمر:61-63) اللهم وقفنا للتعرف إليك اللهم وفقنا للتعرف إليك اللهم وفقنا للتعرف إليك والقيام بطاعتك اللهم الطف بنا في الشدائد اللهم يسر أمورنا واستر عيوبنا واغفر ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا اللهم ما متعتنا به من نعم فاجعله قوة لنا على طاعتك وما فرطت عنا مما نحب فاجعل له فراغاً لنا في طاعتك إنك على كل شئ قدير اللهم صلي وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين …
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره ذلك من أشرك به وكفر وأشهد أن محمداً عبده ورسوله سيد البشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم وسلم تسليماً كثيرا …
أما بعد أيها الناس لقد سمعنا في هذا الحديث الذي قصه علينا أصدق الخلق نبينا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم سمعنا عن قصة ذلك الرجل الذي أستأجر أجراء فأعطاهم أجرهم إلا رجلاً واحداً فخلف عنده أجره فنماه له حتى كان ما سمعتموه من الإبل والغنم والرقيق هذا الذي ضرب مثلاً في الأمانة ومثلاً في الوفاء ماذا لو أننا قسنا به بعض الناس الآن الذين يستقدمون العمال من الخارج ثم يضيعونهم فإن الشكاوى عندي وأنا لست أهلاً لذلك أي لست أهلاً لأن يشتكى إلى في هذه الأمور لأن لهذه الأمور جهات مسؤولة لكنه كثيراً ما يأتيني بعض العمال يشتكون من الذين يكفلونهم فيضيعونهم ثم لا يعطونهم أجورهم وإني أذكر هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ) استمع يقول الله عز وجل ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ) ومن كان الله خصمه فهو مختوم مغلول ( رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حراً فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره ) وهذه حال بعض الناس الذين يستخدمون هؤلاء العمال ثم يضيعونهم ولا يعطونهم أجورهم أفلا يتقي هؤلاء ربهم في هؤلاء الضعفاء أفلا يخشون أن يكونوا مثل حالهم اليوم إني أذكر هؤلاء بأن المظلوم له دعوة لا ترد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وقد بعثه إلى اليوم ( اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) ومن الناس من يأكل أجرة الأجير بغير حق فيتفق معه على أن يعمل هذا العامل في غير مؤسسته ويأخذ عليه ضريبة شهرية كل شهر كذا وكذا سواء اكتسب العامل هذه الضريبة أو أقل منها أو أكثر أو لم يكتسب شيئاً وهذا ظل محض محرم لا يجوز أن تقول للعامل اذهب فاعمل وعليك بالشهر ثلاثمائة مثلاً والباقي لك فإن هذا محرم ولا ينطبق جوازه على أي قاعدة من قواعد الشرع وهكذا أيضاً من يقول له اذهب واشتغل بنسبة معينة كثلاثين في المائة أو نحوها فإن هذا أيضاً محرم لأنه أكل للمال بالباطل فإن هذا العمل الذي قام به العامل لا أثر لك فيه فكيف تستحق شيئاً منه أليس هذا أكلاً للمال بالباطل وكذلك بعض الناس أيضاً يكون قد اتفق مع العامل حسب الشروط التي التي وقع عليها لدى الحكومة يكون متفقاً معه براتب شهري ثم مع ذلك يتفق معه على جزء مشاع من عمله ويترك هذا الراتب الشهري وهذا محرم ليس من جهة أنه غرر ولكن من جهة أنه مخالف للشرط الذي اتفق الكفيل والحكومة عليه وحين إذن يكون غير وافٍ لما قال الله عز وجل (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)(الاسراء: من الآية34) وافٍ لقوله تعالى ( يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود ) وهو في نفس الوقت أيضاً خائن لحكومته يقول بعض الناس إننا إذا أبقيناهم على العقد الذي بيننا وبينهم وهو الأجرة الشهرية فإنهم لا ينجزون عملاً وأقول إن هذا صحيح بالنسبة للعامل الذي لا يخاف الله فإذا كان العامل من هذا الطراز الذين لا يخافون الله ويقولون إن الأجر مضمون لنا سواء أنتجنا أم لم ننتج فإن هناك طريقة شرعية ليمكنوا من الإنتاج كثيراً وهي أن تقول له مثلاً أنت على راتبك الشهري ولكن لك على كل متر كذا وكذا من الدراهم وحين إذن سوف ينتقي في العمل وسوف يزيد إنتاجه لأجل أن يأخذ هذه الزيادة على الأمتار التي يعملها وبذلك نكون قد وفينا بالشرط الذي بيننا وبين الحكومة ووفينا كذلك بما نريده من الإنتاج الكثير وسلمنا من الإثم والعدوان بالنسبة لحق العامل وإني أقول لجميع هؤلاء الكفلاء وغيرهم إن الدنيا لا تغني عن الآخرة شيئاً وإنك مفارق لهذه الدنيا ولما فيها من الأموال فإن الله يقول (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ )(الأنعام: من الآية94) كل ما خولك الله من أولاد و بنين وبنات وزوجات وقصور وسيارات ونقود وغيرها كله ستخلفه وراء ظهرك وتأتي إلى ربك فرداً ليس معك من مالك إلا كفنك يا أخي المسلم كيف تطيب نفسك أن تعصي الله في معاملات وأنت تدري أنك ستنتقل عن هذه الدنيا فريداً وحيداً ليس معك شئ منها إلا ما يستر عورتك فقط كيف يطيب لك أن تعصي الله تعالى فيما رزقك وأنت تعلم أن الرزق مضمون ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود:6) إن رزق الله تعالى لا يستجلب بمعصيته إن رزق الله إنما يستجلب بطاعته ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) فاتقوا الله أيها المؤمنون وتمشوا في معاملاتكم على حسب ما رسمه الشارع لكم فإن الله تعالى أعلم بمصالحكم وأرحم بكم من أنفسكم ولم يمنعكم شيئاً يكون فيه مصلحة لكم وإنما منعكم ما فيه مضرة عليكم فأسأل الله تعالى لي ولكم أن يجعلنا من المستقيمين على أمره الآكلين من حلال رزقه الذين يتبعون مرضاته ويجتنبون ما يسخطه إنه جواد كريم عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون … |