الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما وهو على كل شيء شهيد قدر ما شاء بحكمته وهو الفعال لما يريد وقسم عباده إلى قسمين منيب إلى ربه وعاص مريد وأشهد أن لا إله إلا وحده لا شريك له الولي الحميد وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد الرسل وخلاصة العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان في هديهم الرشيد وسلم تسليما
أما بعد :
فقد قال الله تعالى عن نفسه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً(27)لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) إن العالم نوعان عالم حسي مشهود أو مسموع أو مدرك أو غير ذلك من قوى الحس فهذا يشترك بالإحاطة به كل من له قوة حاسة تدركه ولا ينكره إلا مكابر أو مجنون فالشمس نراها بالعين كل يدرك ذلك ولا يمكن أن ينكرها إلا إنسان مجنون أو مكابر وهناك عالم غيبي لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله من رسله على ما شاء منه لحكمة اقتضت ذلك فمن العلوم الغيبية التي اختص الله بها ولم يطلع أحدا من خلقه عليها لانتفاء الحكمة في اطلاع الخلق عليها من هذه العلوم علم الساعة فإنه لا يدري أحد متى تقوم الساعة إلا الله عز وجل يقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) ولقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل فمن ادعى فمن ادعى أنه يعلم متى تقوم الساعة فهو كاذب ومن صدقه في ذلك فقد كذب الله ورسوله ) وإذا كنا لا نعلم متى تقوم الساعة فإننا لا نعلم بأي سبب تكون سوى أنها من آيات الله وقدرته وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون قال الله تعالى: ( وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ) وما أمر الساعة أي ما شأنها عند قيامها إلا كلمح البصر أو هو أقرب أو هنا بمعنى بل أي بل هو أقرب إن الله على كل شيء قدير وقال الله عز وجل: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ(13)وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً(14)فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ(15)وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ(16)وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ(17)يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ(18) ومن العلوم الغيبية التي أطلع الله عليها رسله وبلغوها إلى الناس لمصلحتهم ولا طريق إلى العلم بها إلا من طريق الرسل من هذه العلو ما يجري على الناس بعد موتهم ومفارقة أرواحهم لأجسادهم فإن الناس في الحقيقة لا يعلمون ماذا يجري عليهم بعد الموت إلا من طريق الوحي الذي نزل على الرسل من الخلاق العليم بكل شيء فقد أخبر الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما يشفي ويكفي وتصلح به أمور ديننا ودنيانا أخبرنا عما يجري للمؤمن وما يجري للكافر فأما المؤمن الذي استقام على دينه وعمل عملا صالحا وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم أما المؤمن هذا فله السرور والفرح والنعيم قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيم(32ٍ) وقال تعالى: ( كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ(31)الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(32) وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يبشر عند موته فيقال لروحه اخرجي أيتها الروح الطيبة راضية مرضية اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان وأنه يفسح له في قبره مد بصره ويفتح باب من الجنة فيأتيه من روحها وطيبها ويفرش له من الجنة ويلبس منها فيكون من ثقل إليه من النعيم خيرا من الدنيا وما فيها وأما الكافر أما الكافر ونعوذ بالله من الكفر فهو الذي لا يدين بدين الإسلام سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو وثنيا أو ملحدا لا يؤمن بدين أو مرتدا عن دين الإسلام كان مسلما يفخر بالإسلام ثم كان مرتدا عن الإسلام يسخر بالإسلام أو يسخر بشعيرة من شعائر الإسلام أو يترك من الإسلام ما تركه كفرا كالصلاة فإن هذا له الغم والحزن والعذاب الأليم له ذلك عند موته وفي قبره واسمعوا قول الله عز وجل: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) هم في غمرات الموت والملائكة قد بسطت أيديها تقول لهم على سبيل التقرير والهوان أخرجوا أنفسكم وكأنهم قد شحوا بأنفسهم لأنها لا تخرج إلا إلى عذاب أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون عذاب الذل والعار بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ويقول الله عز وجل: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ(50)ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) ولو قرأ لو هذه شرطية حذف جواب شرطها ليذهب الذهن كل مبلغ كل مذهب فيما يبلغ من الحسرات العظيمة عليهم حين تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد يعني لو ترى ذلك لرأيت أمرا فظيعا وخزيا وعارا وذلا ويقول الله عز وجل: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ(27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم(28) اتبعوا ما يسخط الله وكرهوا ما يرضيه وقال سبحانه عن آل فرعون: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا إلى هذا القول من الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى استمعوا إليه يقول: (( والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يعني أمة الدعوة وكل من وجد بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من أمة دعوته يقول والذي نفسي بيده لا يسمع أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يروح ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار )) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده في الغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعد حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة )) وصح عنه صلى الله عليه وسلم للكافر أنه إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة يجيئه ملك الموت فيبشره بالعذاب ويقول لروحه اخرجي أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتتفرق في جسده لسوء ما بشرت به فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول المشبث به ولا تفتح أبواب السماء لها وتعاد إلى جسده فيسأل عن ربه ودينه ونبيه فيحال بينه وبين الجواب حتى لو كان يعرف في الدنيا أن يجيب فإنه لا يجيب وهو في قبره إذا كان مات على الكفر ثم يضيق عليه القبر حتى تختلف أضلاعه ويفتح له باب إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضرب بمطارق من حديد فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين أيها المسلمون هذا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من نعيم المؤمنين وسرورهم عند موتهم وفي قبورهم أسأل الله المنان الجواد الكريم أن يجعلنا منهم وهذا وهذا ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من عذاب الكافرين وحزنهم عند موتهم وفي قبورهم وإلى أبد الآبدين ليس للكافر أيا كان ليس للكافر أيا كان يهوديا أم نصرانيا أم مجوسيا أم وثنيا أم مرتدا عن الإسلام يسخر به أو بشيء من شعائره أو يترك ما تركه كفر وردة من شعائر الإسلام ليس له بعد الموت نعيم ولا سرور ولا تخفيف من العذاب ولا فتور (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(74)لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ(75)وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ(76)وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُون(77َ) يقولون ليقض علينا لميتنا حتى نستريح من العذاب ولكنه يقال لهم إنكم ماكثون إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) وهذه الآية الكريمة هي إحدى الآيات الثلاث التي ذكرها الله في كتابه ذكر خلود أهل النار فيها أبدا إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا واحدة في النساء والثانية في الأحزاب والثالثة في سورة الجن آيات محكمات تدل على تأبيد العذاب لأهل النار نعوذ بالله من ذلك أيها المسلمون إنما النعيم والسرور والفرح والحبور بعد الموت للمؤمنين المستقيمين على أمر الله ورسوله ( فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ) فاتقوا الله أيها المؤمنون آمونوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لألا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم أن تمن علينا بالإيمان والاستقامة والثبات على الحق وأن تثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معادنا وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا اللهم اجعل الحياة لنا زيادة في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى واغفر لنا في الآخرة والأولى أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الحمد لله حمدا كثيرا كما أمر وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره من أشرك به وكفر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله سيد البشر الشافع المشفع في المحشر صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما
أما بعد أيها المؤمنون في الخطبة الأولى من معاد الناس وأن الإنسان مهما طالت به الحياة فإن مرجعه إلى الموت ثم إلى الجزاء على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره) إذا كنا قد آمنا بذلك ونحن ولله الحمد والفضل والمنة علينا قد آمنا به آمنا به فضلا من الله ومنة ليس بحولنا ولا قوتنا ولكنه بتوفيق الله لنا ونسأل الله أن يثبتنا وإياكم على ذلك إذا كنا قد آمنا بذلك ولله الحمد فإنه يجب علينا أن نعمل له لا أن نعمل لما نحن منتقلون عنه من الدنيا عملا نغفل به عن العمل للآخرة كما هو شأن كثير من المسلمين اليوم انهمكوا في طلب الدنيا انهمكوا في طلب المال انهمكوا في طلب الشهوات سواء كان ذلك عن طريق حلال أو حرام يتعاملون بالربا يتعاملون بالكذب يتعاملون بالخيانة والغش يتعاملون بكثير من المعاملات المحرمة التي يعلمون تحريمها ولكنهم تعمدوا أن يفعلوها مع علمهم بالحق إن كل إنسان من هذه الأمة يعمل بالمعصية مع علمه بأنها معصية إن كل واحد يعمل بذلك فإنه مشابه لليهود لأن اليهود علموا الحق ولكنهم استكبروا عنه واتبعوا شهواتهم أخذوا الربا وأكلوا السحت وغفلوا عن أوامر الله عز وجل ومن كان يعمل هذه المعاصي ضالا غير مهتد ولا عالم فإن فيه شبها من النصارى لأن النصارى كانوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعبدون الله على ضلال أما بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمهم به فإنهم كانوا مثل اليهود معاندين للحق عن علم وبصيرة ولذلك سمعتم ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لا يسمع به أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت وهو لم يؤمن بما جاء به جبريل إلا كان من أهل النار أيها المسلمون إن كثيرا من المعاملات الاقتصادية طرحت في هذه الأيام للاكتساب بها والمساهمة فمنها معاملات ربوية ظاهرة بينة كل يعرف أنها ربوية ومنها معاملات شركة ليس فيها فيما يبدو لنا شيء من الربا مثل الشركة في تنمية الأغنام أو المواشي أو الشركة في المزارعة أو ما أشبه ذلك من الشركات التي يظهر لنا والعلم عند الله ببواطنها أنها معاملات ليس فيها محظور شرعي وقد كثر السؤال عن الاكتتاب في هذه الأمور والجواب الذي أريد أن تأخذوه هو أن الاكتتاب فيما يتعامل بالربا أيا كان اكتتاب محرم من اكتتب فيه فقد أدخل نفسه في لعنة الله ورسوله والمؤمنين لأن الربا ملعون فاعله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم حيث صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه خمسة كلهم ملعونون على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم في الربا الآكل، الآكل للربا لأنه انتفع به في دنياه لكنه ضرر عليه في أخراه موكل الربا لأنه أعان على الإثم الذي يعطي الربا ملعون لأنه أعان على الإثم الثالث شاهد الربا لأنه أعان على تثبيته والرابع وكذلك الشاهد الثاني والخامس كاتب الربا لأن الوثيقة فيها إثبات للربا كل هذه كل هؤلاء ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فيجب على كل مؤمن أن يبتعد عن كل فيه سبب للعنة الله عز وجل ومنه اكتتب في هذا فإن عليه أن يسحب اكتتابه ولا يأخذ به ربحا لأنه ربح محرم قال الله تعالى في الذين قد تعاملوا بالربا: ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) وإن بعض الناس يكون قد اكتتب في هذه المساهمات الربوية ولكنه يريد من وراء ذلك أن يربح فيها لأنه يقولون إن الشيء عند أول اكتتابه يكون رخيصا فإذا رأى الناس نموه وزيادته كتبت السهام فيه فيكتتب ثم بعد ذلك يبيع سهامه بربح وهذا أيضا محرم لا يجوز لأن الكسب من وراء المحرم محرم وإثم وكيف ترضى أن تبرأ نفسك من الإثم ثم تقدمه إلى إخوانك من المؤمنين إن هذا لهو الغض والخيانة إذا فإن ما أقوله هنا أقوله إبراء لذمتي وإقامة للحجة على من بلغهم أنه لا يجوز الاكتتاب في أي مكتب يكون فيه ربا لأن ذلك دخول في المعاملات الربوية التي لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها أما الشركات التي ليس فيها ربا ولا شيء محرم فإنه لا بأس من الاكتتاب فيها مع أني أفضل أن يكون تصرف الإنسان في ماله تحت إشرافه مباشرة لأن الناس اليوم يجهلون كثيرا من المعاملات الربوية من المعاملات المحرمة أو يتهاونون فيها ولا يبالون فقد تكون هذه الشركات ربوية إذا فالذي أفضله أن يكون الإنسان يتصرف في ماله تحت إشرافه وأبواب الرزق ولله الحمد كثيرة وقليل مباح ليس فيه حرام خير من كثير محرم أو مشتبه فيه والإنسان في دنياه إنما يقيم صلبه ليعبد الله عز وجل لا ليكاثر بالمال الذي هو مفارقه وتاركه لمن بعده وأسأل الله لي ولكم التوفيق ولكم في الدنيا والآخرة والعصمة عما يغضبه وأن يرزقنا التوبة إليه والأوبة واعلموا رحمكم أن الخير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة في دين الله بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار فعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة ومن شذ ، شذ في النار . |