المكتبة المقروءة : غير مصنف : الاصول من علم الاصول
طباعة الصفحة

  المكتبة المقروءة : غير مصنف : الاصول من علم الاصول
النَّـهْــي
 

النَّـهْــي

تعريفه:

النهي: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بصيغة مخصوصة هي المضارع المقرون بلا الناهية، مثل قوله تعالى:) وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ)(الأنعام: من الآية150) فخرج بقولنا  قول؛ الإشارة، فلا تسمى نهياً وإن أفادت معناه.

وخرج بقولنا: (طلب الكف) ؛ الأمر، لأنه طلب فعل.

وخرج بقولنا: (على وجه الاستعلاء) ؛ الالتماس والدعاء وغيرهما مما يستفاد من النهي بالقرائن.

وخرج بقولنا: ( بصيغة مخصوصة هي المضارع ... الخ)؛ ما دل على طلب الكف بصيغة الأمر مثل: دع، اترك، كف، ونحوها؛ فإن هذه وإن تضمنت طلب الكف لكنها بصيغة الأمر فتكون أمراً لا نهياً.

وقد يستفاد طلب الكف بغير صيغة النهي، مثل: أن يوصف الفعل بالتحريم أو الحظر أو القبح، أو يذم فاعله، أو يرتب على فعله عقاب، أو نحو ذلك.

ما تقتضيه صيغة النهي:

صيغة النهي عند الإطلاق تقتضي تحريم المنهي عنه وفساده.

فمن الأدلة على أنها تقتضي التحريم قوله تعالى: )وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(الحشر: الآية7) فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه، يقتضي وجوب الانتهاء، ومِنْ لَازِمِ ذلك تحريم الفعل.

ومن الأدلة على أنه يقتضي الفساد قوله صلّى الله عليه وسلّم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"(6) ؛ أي: مردود، وما نهى عنه؛ فليس عليه أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون مردوداً.

هذا وقاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم؟ كما يلي:

1 - أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه، أو شرطه فيكون باطلاً.

2 - أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه، فلا يكون باطلاً.

مثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: النهي عن صوم يوم العيدين.

ومثال العائد إلى ذاته في المعاملة: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة.

ومثال العائد إلى شرطه في العبادة: النهي عن لبس الرجل ثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، فإذا سترها بثوب منهي عنه، لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها.

ومثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل، فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع، فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه.

ومثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير، فلو صلى وعليه عمامة حرير، لم تبطل صلاته؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها.

ومثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش، فلو باع شيئاً مع الغش لم يبطل البيع؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه.

وقد يخرج النهي عن التحريم إلى معانٍ أخرى لدليل يقتضي ذلك، فمنها:

1 - الكراهة: ومثلوا لذلك بقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لا يمسنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول"(7) ، فقد قال الجمهور: إن النهي هنا للكراهة، لأن الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين.

2 - الإرشاد: مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ: "لا تدعن أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"(8) .

من يدخل في الخطاب بالأمر والنهي:

الذي يدخل في الخطاب بالأمر والنهي (هو) المكلف، وهو البالغ العاقل.

فخرج بقولنا: (البالغ) ؛ الصغير، فلا يكلف بالأمر والنهي تكليفاً مساوياً لتكليف البالغ، ولكنه يؤمر بالعبادات بعد التمييز تمريناً له على الطاعة، ويمنع من المعاصي؛ ليعتاد الكف عنها.

وخرج بقولنا: (العاقل) ؛ المجنون فلا يكلف بالأمر والنهي، ولكنه يمنع مما يكون فيه تعد على غيره أو إفساد، ولو فعل المأمور به لم يصح منه الفعل لعدم قصد الامتثال منه.

ولا يرد على هذا إيجاب الزكاة والحقوق المالية في مال الصغير والمجنون، لأن إيجاب هذه مربوط بأسباب معينة متى وجدت ثبت الحكم فهي منظور فيها إلى السبب لا إلى الفاعل!.

والتكليف بالأمر والنهي شامل للمسلمين والكفار لكن الكافر لا يصح منه فعل المأمور به حال كفره؛ لقوله تعالى: )وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه)(التوبة: الآية54). ولا يؤمر بقضائه إذا أسلم؛ لقوله تعالى: )قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)(الأنفال: الآية38) وقوله صلّى الله عليه وسلّم لعمرو بن العاص: "أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله"(9) ، وإنما يعاقب على تركه إذا مات على الكفر؛ لقوله تعالى عن جواب المجرمين إذا سئلوا: )مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) (المدثر:42-47)

موانع التكليف:

للتكليف موانع منها: الجهل والنسيان والإكراه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"(10) . رواه ابن ماجه والبيهقي، وله شواهد من الكتاب والسنة تدل على صحته.

فالجهل: عدم العلم، فمتى فعل المكلف محرماً جاهلاً بتحريمه فلا شيء عليه، كمن تكلم في الصلاة جاهلاً بتحريم الكلام، ومتى ترك واجباً جاهلاً بوجوبه لم يلزمه قضاؤه إذا كان قد فات وقته، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يأمر المسيء في صلاته - وكان لا يطمئن فيها - لم يأمره بقضاء ما فات من الصلوات، وإنما أمره بفعل الصلاة الحاضرة على الوجه المشروع.

والنسيان: ذهول القلب عن شيء معلوم، فمتى فعل محرماً ناسياً فلا شيء عليه؛ كمن أكل في الصيام ناسياً. ومتى ترك واجباً ناسياً فلا شيء عليه حال نسيانه؛ ولكن عليه فعله إذا ذكره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها"(11) .

والإكراه: إلزام الشخص بما لا يريد، فمن أكره على شيء محرم فلا شيء عليه؛ كمن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ومن أكره على ترك واجب فلا شيء عليه حال الإكراه، وعليه قضاؤه إذا زال؛ كمن أكره على ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها إذا زال الإكراه.

وتلك الموانع إنما هي في حق الله؛ لأنه مبني على العفو والرحمة، أما في حقوق المخلوقين فلا تمنع من ضمان ما يجب ضمانه، إذا لم يرض صاحب الحق بسقوطه، والله أعلم.

**

 

 



(6)  رواه مسلم (1718) (18)0 كتاب الأقضية ، 8- باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور .

(7)  رواه البخاري (153) كتاب الوضوء ، 18- باب النهي عن الاستنجاء باليمين ومسلم ، (267) 18- باب النهي عن الاستنجاء باليمين واللفظ له ...

(8)  رواه أحمد (5/244/22172) و(247/22179) وأبو داود (1522) كتاب الوتر ، باب الاستغفار. والنسائي في المجتبى (1302) كتاب السهو ، باب نوع آخر من الدعاء. وصححه النووي ، وجزم بثبوته الحافظ في الفتح (11/133).

(9)  رواه مسلم (121) كتاب الإيمان، 54- باب كون الإسلام يهدم ما كان قبله وكذا الهجرة والحج .

(10)  رواه ابن ماجه (2043،2045) كتاب الطلاق ، 16- باب طلاق المكره والناسي . والبيهقي (6/84) كتاب الإقرار ، باب من لا يجوز إقراره . قال العجلوني في "كشف الخفاء" (1/523/1393): حسنه النووي في "الروضة "و"الأربعين ". وجود إسناده ابن كثير في تحفة الطالب

(11)  رواه البخاري (597) كتاب مواقيت الصلاة ،37- باب من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة . ومسلم (684)  كتاب المساجد ، 55- باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها .

تاريخ التحديث : May 4, 2005




  حقوق النشر والطبع © 1425هـ - 2004م مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية
Copyright © 1425 H. - 2004 AD Shaikh binothaimeen Charity . All rights reserved
جميع الحقوق محفوظة إلا لمن أراد نسخه أو طبعه أو إستضافته لنشره مجاناً
info@binothaimeen.com